لوحة من مطر مجنون

25 أبريل , 2012

البرق والرعد والريح والمطر، عزف على كمان المدينة البعيدة.

… وكعادتي كل مساء، أجلس في إحدى المقاهي المطلة على الراين، أحتسي قدحاً من القهوة، أتأمل المارة، أفكر بمهام عمل اليوم التالي، ثم أمضي.

هذه المرة بقيت، طويلاً بانتظار اللاشيء، سارحاً فيمن حولي، ولا أدري كيف اجتاحتني تضاريس مخيمنا الهرِم، فباتت رائحته تحاصرني، كأنني في جوفه، كأنني لم أخرج منه بعد، والمطر في الخارج يرسم جدارية الهروب. ملامح تمضي مسرعة تختبئ خلف عرباتها. وجوه ترتعش تحت أسقف المحال التجارية. أيدي تحتضن ملابسها، وأجساد ترتعش فلا تستطيع أن تمسح حبات المطر التي علقت بها. أحمد ربي بذلك الدفء الذي احتواني داخل المقهى. أحمده على وصولي قبل العاصفة بقليل. أحدق في الشارع الموغل بالوحشة، أتأمل المارة من جديد، المعاطف التي تتطاير مع الريح، المظلات التي ترتفع إلى أعلى. وكمجنون أوشك أن أخرج من المكان لألقي بنفسي في ذلك النهر الثائر، تماماً كما كنت في مخيمنا المطل على البحر، أتنافس مع أقراني، نجري في الماء، ثم نغطس، نسبح ونسبح، نصل السفينة المكسورة البعيدة، تلك السفينة التي قالت فيها جدتي ما لم أجده في ألف ليلة وليلة، ولم أجده في حكايات بورخيس أو ماركيز أو حتى كويهلو. أصعد على شراعها المتبقي في تلك المساحة الزرقاء، ثم أخلع ملابسي، عارياً كما ولدتني أمي، أبول في الماء، كأنني أتحداهم، أتحدى تلك الفتاة المجنونة التي كبرت معي في مخيمنا، وصرنا طلاباً في إحدى مدارس المخيم، نذهب بملابس رثة، مهترئة، ونحمل في حقائبنا البالية سندوتشات السمك التي تدهن دفاترنا برائحة البحر المملح بالجوع والحرمان، فتدفع بمدرسينا أن يتقيئوا حال التقاطهم تلك الكراريس، وإطلاق العنان لألسنتهم بالسب والشتم، فندرك السر ولا نعود لكتابة واجباتنا المدرسية مرة أخرى.

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: 6 تعليقات] [127 views] [التصنيف: قصص قصيرة]

غزة من انتعاش في الكهرباء والوقود إلى انتعاش في المياه،، والمواطن يغرق

14 أبريل , 2012

…  والبحر في غزة تمده سبعة أبحر، وأنابيب المياه المرتبطة ببحورنا لا تصل لشاطئ النجاة، ولا حتى لمخيم الشاطئ الذي يعج بالقادة والأمراء، وأذكرني يوماً قد عدت من عملي منهكاً، خائر القوى، أبحث عن الراحة في وجبة حماّم ساخنة، ولم أجد، وبقيت وعائلتي ننتظر فك طلاسم انعدام المياه في مخيمنا لأكثر من شهر، وكنا في حينه ندعو الله أن يرزقنا بالماء، أي ماء، حتى لو كان من أنابيب البحر المملح بقاذورات المخيم، لأن رائحة النتن غطت مخيمنا، بيوتنا، أجسادنا لدرجة أن بات الإنسان لا يعرف مصدر تلك الروائح. فكانت الأحلام كل لحظة تراودني، وأتساءل بيني وبيني: هل جاءت المياه اليوم؟ ربما، وحين أعود أكتشف بأن تعاويذ العجوز لم تبطل مفعول طلاسم شح المياه، وأحلم، والحلم يصير حلماً آخر أشد حلكة من أحلام يوسف في البئر.

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: 15 تعليقات] [376 views] [التصنيف: خربشات لا علاقة لها بالأمر]

شمس نحو دهاليز معتمة

9 أبريل , 2012

في يوم الطفل الفلسطيني، قلوبنا معكم أيها الصغار

تهب رياح الحرية مع شذرات الطفولة المترنحة، لتتغنى بها أبواق الكثيرين، فيتراقص الجميع يهللون ويكبرون في يوم الطفولة الفلسطيني، وكل طفل يحمل في قلبه شمعة من الخوف والجوع والأرق.

يأتي هذا اليوم على أنغام البنادق والقنابل، يأتينا على أصوات السموم واليحموم، ففي الضفة أب يقتل طفله ذا الخمسة أعوام، يخنقه حتى الموت في بئر من جنون لأنه مختلف مع زوجه والأطفال هم متنزه إفراغ الكبت، وفي غزة طفل لم يبلغ ربيعه الـ13 يموت بهدوء في بيت لاهيا متمترساً بزيه المدرسي، بعد أن قام خاطفه/خاطفوه بممارسة الرذيلة فيما يبدو، وأطفال قضوا تحت شموع الخوف في عتمة دير البلح والنار تحرقهم واحداً واحداً بلا مغيث أو رحيم، والطفولة تبكي الدم، تترنح على بوابة الحياة.

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: تعليق واحد ] [305 views] [التصنيف: خربشات لا علاقة لها بالأمر]

اللمبي الجديد

3 أبريل , 2012

 

كادا أن يفقد بعضهما الآخر ويفترقا إلى الأبد، فيخرج هو إلى المجهول، وتعود هي إلى شبق الحياة، لأنهما باختصار، لم يعودا يطيقان حالة الهذيان المتلبسة جسديهما تحت قسوة وتعذيب الحياة.

في آخر شجار لهما، أقسم بالطلاق ثلاثاً ألا يعود إلى منزله المشئوم، لأنها أخبرته بكل صلف أنه لم يعد الفارس ذا الجواد الأبيض الذي طالما حلمت به، فأيقن أنها تنام مع غيره في أحلامها، وترسم صورة لرجل آخر، أشد فحولة منه، وربما يمارس معها الحب على سريره أيضاً، وظل قرار الطلاق ماثلاً بين أنيابه بينما يبادل صديقته نادلة المقهى همومه بحزن فتربت الأخيرة على كتفه بحنان، تفكر في حل لمعضلتهما تلك، تستعيد بعض الأحداث من أفلام الرومانتيك والمسلسلات التركية التي تشاهدها، تبحث في أغوارها إلى أن تقع في مخيلتها صورة (اللمبي) وهو يسقط عن الشجرة مرات عدة من أجل عيون حبيبته التي اختفت بعد ذلك الفلم ولم تعد تراها، فتضحك جازمة بأن حالة السيد (لمبي) قد تخرجهما من حالة الاصطدام، دون أن تبلغه النادلة بأن تلك الفكرة لم تكن حديثة الصنع، أو أن نهايتها قد تكون غريبة كفكرتها.

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: 6 تعليقات] [356 views] [التصنيف: قصص قصيرة]

سِفر غرناطة

6 مارس , 2012

الإصحاح الأول

حاصرنا الحصار، ونزلت دموع السماء بجنون، ففتحنا أفواهنا نلتمس شيئاً من بركاتها، وجاءت النسوة واحدة تلو الأخرى تعجن أبناءها بدم المباركين، وانتظرنا حتى تنفرج السماء فتخرج لنا من الأرض ينبوعاً وجنة من نخيل، لكننا بقينا طويلاً دون أن نحظى بشيء, حتى كاد أن يُقضى على الشيوخ الصابرين وتضع كل ذات حمل حملها، فقال الرب حينها مخاطباً أبناءه من أهل قشتالة بصوت ضج الأركان: “تسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء، وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض”، فعلمنا لحظتها فقط، بأننا هالكون لا محالة”.

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: 5 تعليقات] [358 views] [التصنيف: نصوص]

الثقافة الفلسطينية ومعايير (التنظيم)

4 يناير , 2012

شكَّلت الثقافة الفلسطينية طوال الحقبة الماضية رافعة وطنية للنهوض بالقضية، من خلال الترويج لما يعانيه الفلسطينيون جراء الاحتلال الصهيوني الغاشم؛ فأضحت القصائد الفلسطينية أغنية الزمان والمكان، وتشكلت العديد من المسرحيات والروايات على مسارح الأرض، لِتُتوج بأكبر الجوائز وأرفعها، وبات الفنانون يطرقون جدران الخزان في كل الربوع.

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: 20 تعليقات] [825 views] [التصنيف: خربشات لا علاقة لها بالأمر]

الربيع المهزوم

5 ديسمبر , 2011

إن الواقع المأزوم الذي عاشته المنطقة العربية خلال الحقبة الطويلة الماضية، دفع بالجميع نحو الهاوية، وصولاً إلى انفجار (الربيع العربي). ورغم صدق التوجهات وشرف الانتماءات للأوطان، إلا أننا منينا بربيع مهزوم، نتيجة لاستغلال الطاقات الهائلة لدى شباب الأمة من أجل تحقيق مصالح حزبية ضيقة أو إقليمية ودولية مستعمِرة، ونتيجة لعدم فهم المجتمع العربي لمعنى الثورة وأبجدياتها بعد، وضعفه في إدارتها.

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: 30 تعليقات] [574 views] [التصنيف: خربشات لا علاقة لها بالأمر]

رحلة إلى الحمراء

2 ديسمبر , 2011

كمن يبحث عن الحب داخل وردة مجنونة، أقرر السفر إلى الحمراء، حيث مدينة الله في بطن غرناطة المكلومة بأندلس بعيد.

أستيقظ فجراً مع أصدقائي الجزائريين لحجز مقعد في جنة الحمراء (Alhambra)، نلهث خلف باص لا ندركه، نضحك، يقودنا مجنون إلى مكان آخر كي نلحق بباص جديد، نقف طويلاً في انتظار جودو الذي لا يأتي، فنقرر ركوب سيارة متهالكة.

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: 11 تعليقات] [319 views] [التصنيف: نصوص]

غرناطة، حكاية الزمكان

13 نوفمبر , 2011

الأربعاء، الموافق 12/10/2011

الرابعة والنصف فجراً بتوقيت القاهرة.

أقوم للصلاة، أتجهز للخروج إلى المطار، تسبقني عمتي في الاستيقاظ، تحضر طعام الإفطار، نجلس معاً، نتحدث، أرى في وجهها شوقاً لغزة، يطول الحديث بانتظار أحد السائقين الذين تم الاتفاق معهم على الحضور، لكن للأسف لم يأت أشرف (السائق) كما لم يأت جودو.

أخرج من المنزل، أجر حقيبتي على رصيف القاهرة المغبر، وعند نادي الترسانة أتوقف قليلاً، ثم أركب العربة، أتحدث بلهجة مصرية كي لا يقوم السائق باستغلالي، وبعد أن تنجح حيلتي ونتفق على 50 جنيهاً، أتحدث حينها باللهجة الغزاوية (القُح).

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: 71 تعليقات] [676 views] [التصنيف: خربشات لا علاقة لها بالأمر]

صورة

12 نوفمبر , 2011

ضوء خافت يلوح في البعيد مع الصورة التي غطتها الظلال. أنوار باهتة تتمنطق جمالها، تحاول الخروج بصورة غير تلك التي هي عليها الآن.

داخل تلك اللوحة خمسة من أشباهي، يتمددون في انسجام تام مع الكاميرا، ينصهرون في أريجها، يرفع بعضهم يديه إلى سماء لازوردية باهتة، آخرون ينبسطون مع ابتسامة خرجت فجأة حيت تفوه أحدهم بكلمة (تشيرز) ليظهر وجهه المشرق مرة أخرى. ذلك الغريب الذي يتوسطهم، يتوسط قلبي الآن. أتأمل اللوحة من جديد، أحدق فيهم جميعاً، والوجوه تقبع في ذاكرة المخيم.

Possibly Related Posts:


[عدد التعليقات: لا يوجد تعليقات] [102 views] [التصنيف: قصص قصيرة]
الصفحات:12345» التالي
يسري الغول

تابعني على الفيس بوك

تابعني على التويتر