مقالات - صحف عربية

أرشيف الذكريات

20131017_123011

غادرتْ زوجتي المنزل لتحتفل مع عائلتها بالعيد؛ فقررت استثمار لحظة خروج أطفالي من البيت بالعمل على إعادة ترتيب بعض الحقائب القديمة، لأكتشف أثناء ذلك بأنني نجحت بالاحتفاظ بأشياء كثيرة كان من الممكن لها أن تضيع مع الزمن. فما أن فتحت إحدى الحقائب حتى هبت رياح الطفولة، وأول (خربوشة) قمت بخطها في المرحلة الابتدائية، ثم مراهقة الإعدادية، وصولاً إلى الجامعة والاحتفاظ بوردة تخشبت من فرط حزنها على حالنا بعد أن حصلت عليها كهدية من صديق يقطن الآن في الإمارات، ثم الاحتفاظ بتذاكر الطائرة التي أقلتني إلى ألمانيا عام 2001، إلى بعض الصور والمقتنيات التي حصلت عليها هناك، وأشياء أخرى ثمينة أو رخيصة كبطاقات المؤتمرات التي حظيت بفرصة المشاركة فيها بالخارج، وتذاكر الطائرات متعددة الخطوط والوجهات، وحكايات ودفاتر وأقلام وصور كلها تهاويم لها طعم الحياة.

ولأن التاريخ لا يعيد نفسه بل تتشابه أحداثه، بدأ ابني بممارسة اللعبة ذاتها، وصار وِردُه اليومي ورقة A4 يقدمها لي مع آخر خيط من النهار، مكتظة بالكلمات والرسوم، لأحتفظ بها في ملف خاص باسمه، فهو يحفظ ما قلته له: بأنك كلما قمت برسم أو كتابة أي مخطوط احتفظ به حتى أعود، لأضعه في ملف خاص بأعمالك.

نحن كملايين غيرنا يعرفون مذاق تلك الذكريات والمذكرات. رونقها وأريجها، أفراحها وأتراحها، جنونها وحكاياتها، لذلك فإنهم يمارسون الكتابة كل يوم، يسجلون الأحداث التي تمر بهم، يحتفظون بالهدايا التي يحصلون عليها، يخططون لمستقبل أبنائهم من خلال التدوينات التي يزرعونها بقلب كل دفتر، ويعززون ذلك لدى الأسرة من خلال الدفع بالأبناء لممارسة هوايتهم دون تقريع أو ترويع حال تمدد الكتابة إلى الجدران أو الأوراق الرسمية، الأمر الذي يخلق عالماً عظيماً له نكهة ومذاق يختلف عن الجيران والأهل والأصحاب.

وتخيل كيف ستكون مشاعر ذلك الطفل حين يكتشف بأنك احتفظت بكل أوراقه وخربشاته وجنونه؛ فلعله سيقضي أياماً في إعادة قراءة تلك المذكرات ومتابعة تلك الذكريات. لذلك فإنها دعوة لكل صاحب لب ألا يتخلى عن تاريخه، أو ينهزم بألا يحتفظ بالماضي حتى لو كان حزناً أو عتاب، بل عليه بأن يقوم بتدوين كل ما يعايشه هو وأسرته لأنه سيكون زاداً للجميع من بعده، فالاحتفاظ بكل ما يحصل عليه الشخص خلال شريط عمره الطويل هو تجربة تضاف لرصيد الأبناء، ومشاريع روايات وقصص وقصائد متنوعة ورائعة قادمة.

ولعل قيام أحدنا بمفاجأة أبيه أو أمه بصورة قديمة التقطها لهم في حدث ما، أو ورقة نقدية حصل عليها منهم في أحد الأعياد، فسجل عليها تاريخ تلك العيدية دون أن يكتري بها شيئاًُ، كما أن يقوم أحدنا بمفاجأة زوجته مثلاً بكرت الفرح بعد عشرات السنين سيكون له طعم وحكاية، لأن كل تلك الأوراق والقصاقيص ستكون حينها روح لا تموت أو تعرف البوار.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *