كتب عن أعمالي

أنا والغول و #غزة87

دينا سعد

ها أنا من جديد أجلس مع الغول على وليمة أدبية دسمة ، وبالمناسبة أن تكون قارئاً لرواية جريئة كهذه يحتاج منك أن تكون  قوياً بما يكفي لتنهيها ،السؤال الذي يضج في رأسي منذ ذاك الصباح الذي كانت روايته جليسةً على مكتبي :كيف لا يخاف كاتب من أن يكتب شيئاً واقعياً إلى هذا الحد ، أيسري كان ورقة الخريف التي صمدت أمام شدة الريح ثم تثاقل بعد سكون نفسه فأسقط هذه النصوص ،هل كان مكتوماً كل هذه الفترة ليكتب ما كان كل الكتاب يريدون أن يبوحو به
كيف إستطاع  أن يُرجع ما مات دون أن يراه أصلاً قبلما مات ؟،الأمر ليس مخيفاً فحسب بل هو مؤلم أيضاً ومنتهى وجعه أنه ليس بالإمكان السيطرة عليه ،أو حتى التخفيف من حدته ، نحن لم نعرف يسري الغول إلا ككاتب للقصة القصيرة المتوافقة مع الروح والإنسان والعاطفة ،تابعته منذ طفولتي ، كنت ومازلت أقرأ له بشغف مثلاً :لطالما شدني أدب الرحلات والجولات إليه
لأجد نفسي غارقة في حب السفر والخروج من هذه البلاد
أذكر أنني في ال2012
ربما كنت حينها إبنة الصف السادس الإبتدائي قرأت له مقالاً بعنوان ما بين القاهرة ونيويورك حكاية غزي مجنون ،
لأسافر معه مرة وإثنتين ،لأغرق في حب ما يسمى بالسفر قرأت أيضاً غرناطة حكاية الزمكان ، لأعيش الكثير من الأيام والأحلام في تلك الطائرة التي إستقلها ،وأعيش بين أعمدة غرناطة الجميلة  ، و واشنطن ،بنسيلفينيا …الباقي من الزمن ساعة
عُوِّدتُ على يسري البسيط المحب للحياة الامبالي لأنتقل مرة واحدة لشيئ مسنّي فيه  حنين إلى طفولة تمنيت أن أعيشها لأرى فلسطين الكبيرة ، إلى البدايات ، إلى حيث كانوا عراة إلا من أثقال الحياة ، إلى الأماكن التي تحتفظ بنا رغم أنّا نسينا رائحتها! , ‏شدتني إلى الـمنسين الذين استندوا على قلوب هشة. ورمتني بالبعيد إلى الذين يحملون في أنفسهم مشقة الطريق وقلق القادم. وأوقعتني بعشق أبطال المخيم الهائجين  أولئك الذين رغم هيجانهم لا يظهرون صخبا ولا تجريحا, ‏الذين يتناسون أحزانهم ليعيشو أيامهم.
#غزة87 جعلتني أصير محتالة على الوجع الذي ينهشني ،وصلت الى مرحلة أنني لم أستطع استكمال القراءة الا ان هذه الرواية العجيبة ظلت تبعث لي بنداءت خفية في قاع الليل تطلب فيها فرصة شبه مستحيلة كي أستكمل مطالعتها  حتى إستسلمت أمام جبروتها ،أتسائل ما الذي دفعك يا ابن المخيم أن تكتب شيئاً عميقاً من قعر روحك هكذا ؟

أستجيبني أنك تتنفس بالكتابة وتعيش وتموت بها ولكن أتعلم أن كتابتك هذه أفجعت غيرك ؟ ،
أتعلم أنني صرت أجلد نفسي بسياط العتب ؟ ،
أبحث في كل الدماء المراقة أرضاً عمّا يطهرني ولا اجد مهرب !
مرة أخرى أُفجع بمآساة أطفال المخيم في هذه المدينة البائسة ذات الأبنية الإسمنتيه المهترئة في الشوارع الضيقة وإجبارهم على ما لا يريدون أن يفعلو لأجل لقمة عيشهم إذ أن الرواية عرضت علاقات جنسية غير شرعية بين العامل الفلسطيني ومسؤولته الإسرائيليه ، توقفت فقط  لكي أبحث عن قارب غفران لهؤلاء لينقذني من أمواج بكائي وأولاد المخيم ،فيسري مازال مسكوناً بمخيم الشاطئ وروائح البحر والسمك لا تفارق روحه حتى في رواياته
كأن المخيم قد سكنه ولم يبرح منه،
ومرة أخرى يأتي الصوت الدافئ، ليهد روحي أنينه، وكلما غفوت على هذا الحائط المائل أرى رجلاً فلسطينياً يتمزق بين رغابات إمرأة موغلةٍ في عتمة الأرواح المحيطة بها، في رهبة ساحات فلسطيننا التي سموها إسرائيلهم … كلما قرأت سطراً شعرت برغبة ملحّة جداً في البكاء.
ذلك الشعور المقزز الذي عمّق عندي إحساساً بالفداحة لأسأل  نفسي كم مرّ عليّ من الوقت وأنا بعيدة عن أشباه هذه القصص التي عرضتها هذه الرواية لأبقى داخل قوقعة محدبة كنصف دائرة مليئة بساعات من الخوف والتلكئ وبعض الأسئلة التي تبقى معلقة على حواف الرواية
أما بالنسبة لهذه الرواية فهي وعلى مدى إعتقادي عبارة عن تنقيب عميق في تاريخ فلسطيني دموي بحت إذ إلتقط يسري صورة كامله للمخيم وأبطاله فيها خفقات من نبض قهرهم بهمس صادق بين الأبجديه والقلب ،هنا وبين طيات هذا الكتاب تُسرد قصة رغم جرأتها فهي بالأساس انسانية بإمتياز يبكي عليها البكاء ويشهق بالحسرة
هنا في “غزة87 ” غزة على حقيقتها يا رفاق

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *