مقالات - صحف عربية

اقرأ لتكتشف

get-kids-to-read

ذات مساءٍ، طلبت مني إحدى الفتيات أن أعطيها رأيي صراحة فيما تكتبه ضمن مشروع رواية لها عن الحرب الأخيرة عن غزة، فهي تسعى لطباعة تلك الرواية التي تعتبر الأولى لها، وقد كان طلبها بناءً على معرفتها بعلاقتي بالأدب والثقافة فأخذت روايتها وقرأت، كانت قراءة سريعة متوترة لأنها منذ اللحظة الأولى لم تدفعني للخوض في غمارها، والإبحار في حروفها وكلماتها، فقد كانت روايةً سطحيةً، تتحدث عن وقائع نقرأها في الأخبار والمواقع الالكترونية، كما أنّ اللغةَ لم تكن بذلك العمق والقوة اللتين تأسران القارئ، وبعد الانتهاء من قراءة مقاطع متعددة داخل تلك الرواية، أخبرتها برأيي صراحة، لأنني أدرك أن الأدب لا مجاملة فيه البتة. ورغم قناعتي بضعف تلك الرواية وأسلوبها، إلا أنني أبلغت تلك الفتاة من أنّ القراءة هي الحل الوحيد للاكتشاف، وأننا كلما أوغلنا في الكتب كلما اكتشفنا مدى ضعفنا، وحاجتنا إلى القراءة لإثراء الأفكار واللغة. وطلبت منها أن تحتفظ بتلك الرواية لمدة خمس أعوام ثم بعد ذلك تعيد قراءتها، وحينها ستكتشف صحة كلامي الذي لم يعجبها، فقد ثارت قبل الانتهاء من رأيي وقالت أنها تعبت في كتابة تلك الرواية مدة شهرين كاملين، وأن هناك بعض الأكاديميين المعروفين قد أشادوا لها بتلك الرواية. فضحكتُ، وأبلغتُها أنني لا أُأمن خلف أحد، وأنّ هناك من يكتب رواية في أعوام ثم يتنازل عنها وقد يرفض نشرها، فالروائي المؤثر هو من يعطي القارئ الانطباع القويَّ حول العمل وصاحبه، فالانطباع الأول هو الانطباع الأخير، ومتى قرأ أحدهم عملاً لك فلم يرق له لضعفه أو سطحيته أو ركاكة اللغة فيه، فإنك ستكون قد خسرت كثيراً، فمهما كتبت بعد ذلك، لن يفكر أحدُ أن يضيّع وقته في قراءة كتابٍ لكاتبٍ ضعيف.

وأذكر أنّ الروائي الكبير عبد الرحمن منيف، قد صدر له بعد موته مجموعتين قصصيتين، ولأنني من عشاق هذا الكاتب، اشتريت هذين الكتابين وقرأتهما لأكتشف المفاجأة، لقد كانا ضعيفين جداً ولا يمكن أن يكونا للكاتب منيف صاحب الأشجار واغتيال مرزوق، والآن هنا، وعالم بلا خرائط ومدن الملح وغيرهما. لأكتشف فيما بعد دراسة نقدية حول أعمال منيف أوضح فيها الباحث رأيه في هذين  الكتابين، حين قال بأنهما كانا من قصص منيف القديمة جداً ولكنه لم يقم بنشرهما لعلمه بأنه ما زال في بداية طريقه الأدبي، ويتابع الباحث بسؤال:” ترى لو قام منيف بنشر هاتين المجموعتين من قبل، هل كان سيصل للشهرة التي وصل إليها اليوم؟”

إننا اليوم بحاجة لمزيد من القراءة، فلكما قرأ الإنسان زادت مداركه وتحسّن أسلوبه، وأضحت بلاغة الكلام جزءاً حيوياً ومهماً في طريقة عرضه لأفكاره ورؤاه. ومن طريف القول هنا، أن زوجتي هاتفتني ذات مرة تطلب مني إحضار الغداء معي لأنني تسببت بعدم تجهيزها للطعام، أصابتني الدهشة، فكل شيء متوفرٌ في المنزل، إلا أن الطرفة كانت في انشغالها بالكتاب الذي أعطيتها إياه في الليلة السابقة حيث قامت بالانتهاء منه مع أذان الظهيرة.

إن القراءة أيضاً ليست من أجل القراءة كهدف قصير الأمد، بل من أجل إذكاء الروح وتنمية الحس والمشاعر، وأيّما كتابٍ لم تجد نفسك معه، اتركه ولا تقاتله لأن عمرك العقلي قد يكون غير متجهز لقوة لغته أو أفكاره، أو ربما لأن أسلوبه لا يروق لذائقتك. واعلم بأنه سيأتي اليوم الذي ستقرأ فيه ذلك الكتاب وتكون ذا بلاغةٍ أقوى وأعظم مما بين جنباته.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *