مقاربات نقدية, مقالات - صحف عربية

الأنثى في مواجهة طوفان المجتمع

بببببب

قراءة نصية في مجموعة رشا فرحات القصصية (قلم وفستان جديد)

صدر مؤخراً عن مركز أوغاريت للنشر والترجمة برام الله مجموعة قصصية بعنوان (قلم وفستان جديد .. وأشياء أخرى)  للكاتبة الفلسطينية رشا فرحات، وقد جاءت تلك المجموعة في 94 صفحة من القطع المتوسط، فيما اشتملت على 32 قصة قصيرة.

حيث سيكتشف القارئ منذ الوهلة الأولى ذلك الصوت الأنثوي الموجوع من الداخل باحثاً عن الحرية في أرض جرداء. ففي طيات تلك المجموعة، تطرح الكاتبة قضايا المرأة في الوطن العربي عموماً وفي فلسطين تحديداً كقصة قلم وفستان جديد والبديلتان ولعنة العتمة وللوفاء ثمن وحينما تخيب الآمال والمجنونة وحنين متقطع وأزهار للبيع وقصص أخرى.

بالإضافة إلى أنها جالت في إشكالات الحياة السياسية وتأثيرها ليس على المرأة فقط، بل على النسيج المجتمعي بشكل عام، فأبرزت واقع الأمة المؤلم وتجاهلها للحصار الضاري على غزة وما نتج عنه من موت بطيء لأفراده وانهيار لعلاقات مجتمعية داخل أروقة الوطن. كما أنها جابت في ربوع مجموعتها تلك حكاية الحرب والموت المجاني في غزة كقصة بين الأرض والموت، وكنا نلعب يا أمي، وبين هجرتين، وضحكة للموت.

الكاتبة فرحات لم تغفل عن سرد الأزمات المجتمعية التي ارتبطت � من خلال صناعة عناوين أكثر غموضاً. كما أن بعض العناوين الأخرى كانت تقليدية مثل للوفاء ثمن، أبواب الذكريات، ثمن الحلوى، التهمة قلم وغيرها. دون أن ينقص هذا الأمر من جمال النصوص المنشورة داخل تلك المجموعة.

وبالعودة إلى متن تلك المجموعة، فإن القاصة فرحات نظمت نصوصها وقصصها بأسلوب السهل الممتنع، مما أعطى مزيداً من السلاسة والمباشرة مع بعض الجمل الشعرية التي زادت النصوص بهاءً.

القاصة رشا فرحات في قصتها قلم وفستان جديد تناقش قضية قديمة جديدة، في تنازل الأخت الكبرى عن أنوثتها من أجل خدمة الأم التي تهتم بأخواتها الأخريات فيما بعد. وكأنها تريد أن تقول أن الكبير مظلوم خصوصاً لو كان أنثى. أما البديلتان، فهي الحكاية المعروفة في بلادنا منذ قديم الزمان، عندما يتزوج الشاب من فتاة بلا مهر مقابل أن يُزوج أخته لصهره حتى لو كان طاعناً في السن. وتختم القاصة حكايتها بأن الوشائج تنتهي بعد طلاق أي من هاتين الزوجتين، ففي صفحة 13 تقول: “بعد ساعات أعلن الرجلان عن إتمام صفقتهما ولوح كل منهما برجولته عن نصره في هزيمة امرأتين رافضتين لهذا الاغتصاب” وكنت أتمنى أن تنتهي تلك الحكاية بهذه الجملة لأنها بالتأكيد ستقود لمجموعة أسئلة انتهت عندما واصلت القاصة تقول: “وبعد أشهر معدودة جرت كل واحدة منهما كجندي مهزوم منكسر الخاطر عائدة من حيث أتت لأن أحد المنتصرين أعلن عن انتهاء الصفقة” فأغلقت القصة بتلك النهاية دون إشراكنا معها بما ستؤول إليه الأمور فيما بعد.

أما قصة “لعنة العتمة” فتكاد تكون أكون أقرب للخاطرة منها إلى القصة القصيرة فإنها تعبر عن انهزام المرأة التي تضيِّع شريط عمرها الطويل بصحبة رجل لا يقدِّر أنوثتها، ولعل جمال التعبير كان واضحاً بانهزام الأنثى في مجتمعات لا تعرف الحب تماماً كالحكومات العربية، وقد كتبت: “ركضت خلفك بعد أن أغلقت الباب، وأغلقت الستائر وساد صمت غريب مطبق بدون فرح، بدون غناء، بقلب مرتجف صغير أراقب من بعيد، حياتي التي دخلت هنا ذات يوم…”. ولعل أكثر ما يؤلم المرأة أن تعيش مثل حالة تلك التي انتظرت البطل الذي خرج من الأسر في قصة “للوفاء ثمن” فينسى أو يتناسى معاناة من وقفت إلى جواره وانتظرته أكثر من خمس عشرة عاماً ليتزوج عليها دون أن يدرك بأنها في روحها ما تزال غضة ناضجة ويافعة كالزهور. فتقول فرحات: “…ثم تحول فجأة إلى غريب. ليس حبها الذي اختارته/ ليس هذا من أضاعت عمرها في انتظاره… أو أنها أصبحت جافة قاحلة باردة كجدران ذلك المعتقل اللعين.

استفادت القاصة من عملها كصحفية في الحصول على جملة أفكار لمجتمع يؤمن بأن همّ البنات للممات. ففي قصتيها المجنونة والميراث تريد أن تقول بأن المجتمع قادر على إلصاق أي تهمة للمرأة وإيداعها بمستشفى المجانين كي لا تحصل على ميراثها أو للتخلص منها لأن زوجة الأخ تريد الاستفراد بالمنزل، ومن الممكن الحديث فيما بعد عن تزويج الفتاة من أي قادم حتى لو كان بقدم واحدة. والمضحك المبكي أن الرجل لا يرحم المرأة أيضاً حتى لو كان مثقفاً أو سياسياً كبيراً كما في قصة الوريثة، لكن المباشَرة في كلا القصتين (المجنونة والوريثة) كان بحاجة لإعادة صياغة، حيث تقول فرحات في نهاية قصة المجنونة: “تحكي قصة أم حُبست بعد أن طُلقت وحُرمت من رؤية ابنها الوحيد، حتى وصل بها شوقها وحرمانها إلى الجنون”، وقد كان بالإمكان ترك مساحة للقارئ بتنبؤ السبب دون عرضه، لكنها جعلته محدداً وواضحاً. ولعل القاصة أيضاً أخفقت في قصتها “ضحكة للموت” لأنها اختتمت بجملة لا لزوم لها، وزائدة عن حاجة النص، لأنها باتت تلقائياً مفهومة لدى القارئ، حيث تقول: “كانت الحفرة الفارغة من نصيبها” في قصة تحكي عن شهيد اسمه زياد وحفرة ما زالت رابضة بجواره دون أن تكون من نصيب الأب الذي تمناها بل من نصيب الأم.

ومن الواضح أن الاحتلال الذي تسبب ربما بمعظم تلك القصص برز واضحاً في قصة تحت الأرض واتصال مقطوع والموت انتظاراً، فالحصار الذي دفع الفلسطينيين للبحث عن مخرج من خلال استيراد البضائع وعودة اللاجئين من خلال الأنفاق بين قطاع غزة ورفح المصرية. جوبه بالعرب وتحديداً جمهورية مصر العربية التي منعت أهل الأرض من العودة إليها لأنهم لا يمتلكون وثائق تثبت من أنهم فلسطيني الجنسية. ففي قصة “تحت الأرض” تحاول تلك الفتاة العودة بأطفالها إلى مدينة غزة لرؤية أمها من خلال تلك الأنفاق المعتمة والخطيرة لأنها لا تملك وثيقة أو بطاقة هوية فلسطينية من المحتل الإسرائيلي الذي يمنح لم الشمل لنا طالما أننا غير لاجئين بالخارج. وتواصل القاصة حوارها المؤلم فتقول: “حذرني زوجي، حذرني كل من تركتهم خلفي ولأنهم لو يعدوا الأشواق كما أعدها… تركت كلماتهم خلفي وقررت النزول تحت الأرض، ذلك الطريق الوحيد المؤدي إلى أمي”. أما في قصة “الموت انتظاراً” فالمعبر ليس للشوق فقط، وإنما للحياة والبعث من جديد، فالمعبر هو المتنفس الوحيد والبوابة الوحيدة للانطلاق نحو العالم، للسياحة وللعلاج وللدراسة وغيرها. وفي تلك القصة القاسية يكون الموت انتظاراً لأن المرأة تكاد أن تموت وما يزال الجانب المصري مصراً على إغلاق المعبر، فتقول بطلة النص:” أخاف ألا أعود، أخاف من قرار الأطباء في مصر، أخاف أن تغلق عيناي على وجوه غريبة غير وجوههم، أخاف إغلاق المعبر، فأدفن في تراب غير ترابي”. وفرحات هنا تقول بصوت كل سكان غزة، ما أقساكم أيها العرب، ما أقسى الموت، وما أبشع هذي الحياة.

القاصة التي لم تجعل من الحصار أيقونة وحيدة في معبد السياسة، راحت تغوص بقدميها “بين الأرض والموت” و”بين هجرتين” وفي وجهها “ضحكة للموت”، ففي قصصها تلك تصرخ بملء الفيه أن غزة تحتضر وأن من فيها أموات ينتظرون أكفانهم. ففي قصة بين هجرتين تحكي فرحات حكاية هجرة الفلسطينيين بعد النكبة وهجرتهم مجدداً للبحث عن الحياة خارج الوطن، وهذا الشاب الذي يقرر السفر فيطلب منه أبوه البقاء لكنه لا يفعل،  فيموت بعد شهر من فراق ولده. وكم كانت القاصة ذكية عندما أشارت بانهزام الرجولة أمام فقدان الابن ولو لأجل قصير حين قال:” لم يكن جدي رجلاً منهزماً لكنني رأيت الهزيمة في وجهه ذلك اليوم… جدي الذي لم يعد يحتمل فراقات أكثر، صدق وعده هذه المرة، ورحل ساجداً بعد شهر من رحيلنا”.

وأختم بأن تلك المجموعة ذهبت نحو ما يعانيه الكتاب والمثقفين بسبب أفكارهم وآرائهم التي تخالف هوى القادة والحكام، ففي قصة “التهمة قلم” وهي أحد الأصوات الذكورية القليلة داخل المجموعة القصصية، تحاكي معاناة الكتاب والأدباء والمفكرين الذين يجابهون بقمع السلطات والأنظمة الحاكمة، فتقول فرحات:” لن تطعمك هذه الكلمات خبزاً، اعقل يا أخي!” وبما أنه لم يعقل فقد كان “وحده يقبع في زنزانة قديمة، تهمته كانت قلماً”.

ترى هل ستكون تهمتنا قلماً أيضاً!!

صدر مؤخراً عن مركز أوغاريت للنشر والترجمة برام الله مجموعة قصصية بعنوان (قلم وفستان جديد .. وأشياء أخرى)  للكاتبة الفلسطينية رشا فرحات، وقد جاءت تلك المجموعة في 94 صفحة من القطع المتوسط، فيما اشتملت على 32 قصة قصيرة.

حيث سيكتشف القارئ منذ الوهلة الأولى ذلك الصوت الأنثوي الموجوع من الداخل باحثاً عن الحرية في أرض جرداء. ففي طيات تلك المجموعة، تطرح الكاتبة قضايا المرأة في الوطن العربي عموماً وفي فلسطين تحديداً كقصة قلم وفستان جديد والبديلتان ولعنة العتمة وللوفاء ثمن وحينما تخيب الآمال والمجنونة وحنين متقطع وأزهار للبيع وقصص أخرى.

بالإضافة إلى أنها جالت في إشكالات الحياة السياسية وتأثيرها ليس على المرأة فقط، بل على النسيج المجتمعي بشكل عام، فأبرزت واقع الأمة المؤلم وتجاهلها للحصار الضاري على غزة وما نتج عنه من موت بطيء لأفراده وانهيار لعلاقات مجتمعية داخل أروقة الوطن. كما أنها جابت في ربوع مجموعتها تلك حكاية الحرب والموت المجاني في غزة كقصة بين الأرض والموت، وكنا نلعب يا أمي، وبين هجرتين، وضحكة للموت.

الكاتبة فرحات لم تغفل عن سرد الأزمات المجتمعية التي ارتبطت بشكل أو بآخر بعنصر المرأة، ذلك الرمز الذي يتخفى بين سطور الحكاية دون أن يكون هناك صوت أنثوي مباشر في تلك القصص كقصة العودة إلى الخلف، لقطاء، أزهار المعتقل، كانوا ثلاثة، صرة ذهب، سحر الفستان الزرق وغيرها.

أيضاً انتقدت الكاتبة وأبطالها الحياة السياسية الراهنة من خلال قصة ثمن الحلوى ومدينة الحيارى التي جاءت بأسلوب رمزي فريد. ثم اختتمت مجموعتها بهزيمة الكيان العربي أمام الواقع المزري والمفجع في سوريا من خلال قصة أزهار للبيع والتي تناقش قضية لجوء السوريين وتزويجهم لفتياتهم مقابل العيش بثمن بخس لرجال غادروا زمن الشباب.

والمتأمل لعناوين القصص داخل المجموعة سيكتشف بأن طابع المبَاشَرة قد غلب عليها، كالبديلتان والوريثة والمطلقة وأبناء الضرة ولقطاء والمجنونة وغيرها. وقد كان بإمكان القاصة عدم تقديم وجبة مجانية للقارئ باستشراف ماهية النص من خلال صناعة عناوين أكثر غموضاً. كما أن بعض العناوين الأخرى كانت تقليدية مثل للوفاء ثمن، أبواب الذكريات، ثمن الحلوى، التهمة قلم وغيرها. دون أن ينقص هذا الأمر من جمال النصوص المنشورة داخل تلك المجموعة.

وبالعودة إلى متن تلك المجموعة، فإن القاصة فرحات نظمت نصوصها وقصصها بأسلوب السهل الممتنع، مما أعطى مزيداً من السلاسة والمباشرة مع بعض الجمل الشعرية التي زادت النصوص بهاءً.

القاصة رشا فرحات في قصتها قلم وفستان جديد تناقش قضية قديمة جديدة، في تنازل الأخت الكبرى عن أنوثتها من أجل خدمة الأم التي تهتم بأخواتها الأخريات فيما بعد. وكأنها تريد أن تقول أن الكبير مظلوم خصوصاً لو كان أنثى. أما البديلتان، فهي الحكاية المعروفة في بلادنا منذ قديم الزمان، عندما يتزوج الشاب من فتاة بلا مهر مقابل أن يُزوج أخته لصهره حتى لو كان طاعناً في السن. وتختم القاصة حكايتها بأن الوشائج تنتهي بعد طلاق أي من هاتين الزوجتين، ففي صفحة 13 تقول: “بعد ساعات أعلن الرجلان عن إتمام صفقتهما ولوح كل منهما برجولته عن نصره في هزيمة امرأتين رافضتين لهذا الاغتصاب” وكنت أتمنى أن تنتهي تلك الحكاية بهذه الجملة لأنها بالتأكيد ستقود لمجموعة أسئلة انتهت عندما واصلت القاصة تقول: “وبعد أشهر معدودة جرت كل واحدة منهما كجندي مهزوم منكسر الخاطر عائدة من حيث أتت لأن أحد المنتصرين أعلن عن انتهاء الصفقة” فأغلقت القصة بتلك النهاية دون إشراكنا معها بما ستؤول إليه الأمور فيما بعد.

أما قصة “لعنة العتمة” فتكاد تكون أكون أقرب للخاطرة منها إلى القصة القصيرة فإنها تعبر عن انهزام المرأة التي تضيِّع شريط عمرها الطويل بصحبة رجل لا يقدِّر أنوثتها، ولعل جمال التعبير كان واضحاً بانهزام الأنثى في مجتمعات لا تعرف الحب تماماً كالحكومات العربية، وقد كتبت: “ركضت خلفك بعد أن أغلقت الباب، وأغلقت الستائر وساد صمت غريب مطبق بدون فرح، بدون غناء، بقلب مرتجف صغير أراقب من بعيد، حياتي التي دخلت هنا ذات يوم…”. ولعل أكثر ما يؤلم المرأة أن تعيش مثل حالة تلك التي انتظرت البطل الذي خرج من الأسر في قصة “للوفاء ثمن” فينسى أو يتناسى معاناة من وقفت إلى جواره وانتظرته أكثر من خمس عشرة عاماً ليتزوج عليها دون أن يدرك بأنها في روحها ما تزال غضة ناضجة ويافعة كالزهور. فتقول فرحات: “…ثم تحول فجأة إلى غريب. ليس حبها الذي اختارته/ ليس هذا من أضاعت عمرها في انتظاره… أو أنها أصبحت جافة قاحلة باردة كجدران ذلك المعتقل اللعين.

استفادت القاصة من عملها كصحفية في الحصول على جملة أفكار لمجتمع يؤمن بأن همّ البنات للممات. ففي قصتيها المجنونة والميراث تريد أن تقول بأن المجتمع قادر على إلصاق أي تهمة للمرأة وإيداعها بمستشفى المجانين كي لا تحصل على ميراثها أو للتخلص منها لأن زوجة الأخ تريد الاستفراد بالمنزل، ومن الممكن الحديث فيما بعد عن تزويج الفتاة من أي قادم حتى لو كان بقدم واحدة. والمضحك المبكي أن الرجل لا يرحم المرأة أيضاً حتى لو كان مثقفاً أو سياسياً كبيراً كما في قصة الوريثة، لكن المباشَرة في كلا القصتين (المجنونة والوريثة) كان بحاجة لإعادة صياغة، حيث تقول فرحات في نهاية قصة المجنونة: “تحكي قصة أم حُبست بعد أن طُلقت وحُرمت من رؤية ابنها الوحيد، حتى وصل بها شوقها وحرمانها إلى الجنون”، وقد كان بالإمكان ترك مساحة للقارئ بتنبؤ السبب دون عرضه، لكنها جعلته محدداً وواضحاً. ولعل القاصة أيضاً أخفقت في قصتها “ضحكة للموت” لأنها اختتمت بجملة لا لزوم لها، وزائدة عن حاجة النص، لأنها باتت تلقائياً مفهومة لدى القارئ، حيث تقول: “كانت الحفرة الفارغة من نصيبها” في قصة تحكي عن شهيد اسمه زياد وحفرة ما زالت رابضة بجواره دون أن تكون من نصيب الأب الذي تمناها بل من نصيب الأم.

ومن الواضح أن الاحتلال الذي تسبب ربما بمعظم تلك القصص برز واضحاً في قصة تحت الأرض واتصال مقطوع والموت انتظاراً، فالحصار الذي دفع الفلسطينيين للبحث عن مخرج من خلال استيراد البضائع وعودة اللاجئين من خلال الأنفاق بين قطاع غزة ورفح المصرية. جوبه بالعرب وتحديداً جمهورية مصر العربية التي منعت أهل الأرض من العودة إليها لأنهم لا يمتلكون وثائق تثبت من أنهم فلسطيني الجنسية. ففي قصة “تحت الأرض” تحاول تلك الفتاة العودة بأطفالها إلى مدينة غزة لرؤية أمها من خلال تلك الأنفاق المعتمة والخطيرة لأنها لا تملك وثيقة أو بطاقة هوية فلسطينية من المحتل الإسرائيلي الذي يمنح لم الشمل لنا طالما أننا غير لاجئين بالخارج. وتواصل القاصة حوارها المؤلم فتقول: “حذرني زوجي، حذرني كل من تركتهم خلفي ولأنهم لو يعدوا الأشواق كما أعدها… تركت كلماتهم خلفي وقررت النزول تحت الأرض، ذلك الطريق الوحيد المؤدي إلى أمي”. أما في قصة “الموت انتظاراً” فالمعبر ليس للشوق فقط، وإنما للحياة والبعث من جديد، فالمعبر هو المتنفس الوحيد والبوابة الوحيدة للانطلاق نحو العالم، للسياحة وللعلاج وللدراسة وغيرها. وفي تلك القصة القاسية يكون الموت انتظاراً لأن المرأة تكاد أن تموت وما يزال الجانب المصري مصراً على إغلاق المعبر، فتقول بطلة النص:” أخاف ألا أعود، أخاف من قرار الأطباء في مصر، أخاف أن تغلق عيناي على وجوه غريبة غير وجوههم، أخاف إغلاق المعبر، فأدفن في تراب غير ترابي”. وفرحات هنا تقول بصوت كل سكان غزة، ما أقساكم أيها العرب، ما أقسى الموت، وما أبشع هذي الحياة.

القاصة التي لم تجعل من الحصار أيقونة وحيدة في معبد السياسة، راحت تغوص بقدميها “بين الأرض والموت” و”بين هجرتين” وفي وجهها “ضحكة للموت”، ففي قصصها تلك تصرخ بملء الفيه أن غزة تحتضر وأن من فيها أموات ينتظرون أكفانهم. ففي قصة بين هجرتين تحكي فرحات حكاية هجرة الفلسطينيين بعد النكبة وهجرتهم مجدداً للبحث عن الحياة خارج الوطن، وهذا الشاب الذي يقرر السفر فيطلب منه أبوه البقاء لكنه لا يفعل،  فيموت بعد شهر من فراق ولده. وكم كانت القاصة ذكية عندما أشارت بانهزام الرجولة أمام فقدان الابن ولو لأجل قصير حين قال:” لم يكن جدي رجلاً منهزماً لكنني رأيت الهزيمة في وجهه ذلك اليوم… جدي الذي لم يعد يحتمل فراقات أكثر، صدق وعده هذه المرة، ورحل ساجداً بعد شهر من رحيلنا”.

وأختم بأن تلك المجموعة ذهبت نحو ما يعانيه الكتاب والمثقفين بسبب أفكارهم وآرائهم التي تخالف هوى القادة والحكام، ففي قصة “التهمة قلم” وهي أحد الأصوات الذكورية القليلة داخل المجموعة القصصية، تحاكي معاناة الكتاب والأدباء والمفكرين الذين يجابهون بقمع السلطات والأنظمة الحاكمة، فتقول فرحات:” لن تطعمك هذه الكلمات خبزاً، اعقل يا أخي!” وبما أنه لم يعقل فقد كان “وحده يقبع في زنزانة قديمة، تهمته كانت قلماً”.

ترى هل ستكون تهمتنا قلماً أيضاً!!

** نشرت هذه القراءة النصية بصحيفة الزمان- لندن في 19/3/2014

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *