مقالات - صحف عربية

الترجمة ورسائل الحب والحرب

Translation1

انتصف الليل، واشتد البرد، فبقيت متجمداً في الفراش حتى هلّ نور الكهرباء، لأقوم كالعادة بمتابعة الرسائل الواردة لحسابي والرد عليها، حتى فوجئت برسالة مهمة وصلت من إحدى دور النشر العالمية بعد مراسلات عدة جرت فيما بيننا لترجمة إحدى القصص إلى الإنجليزية ضمن كتاب يضم بين جوانحه عشرة أعمال قصصية لقصاصين فلسطينيين.

المهم في الأمر، أن تلك الدار طلبت توقيع العقد وإرساله قبل انتهاء ظهيرة اليوم التالي، وهو ما لا يمكن حدوثه في ظل انقطاع الكهرباء المتواصل، وعدم وجود (سكانر) بالبيت والوقت لا يسمح بوجود أي مكتبة أو مؤسسة تعمل في مثل ذلك الوقت، وبما أن الحاجة أم الاختراع، فقد قمت بطباعة العقد على ورقة كنت قد كتبت على ظهرها كلاماً كثيراً، وقمت بتوقيع العقد ثم تصويره بهاتفي المحمول وضغط الصورة لتصبح بحجم صفحة الـA4. ثم إرسالها، ليصلني الرد بالإيجاب فيما بعد.

كنت سعيداً بكوني ضمن الأسماء الفلسطينية العشرة الذين ستنشر لهم دار (Comma) قصصاً في إصدارها الجديد حول الأدب الفلسطيني، فلعل صوتي سيصل إلى العالم حيث الحب داخل جدران الموت، والحياة داخل خزان العتمة. ولقد دفعني هذا الموضوع للتساؤل عن أهمية الترجمة ودورها في صياغة الإبداع وانتشاره، لأكتشف بأننا نعاني من أزمة حقيقية في الترجمة ووصل الصوت الفلسطيني العروبي إلى أروقة البسيطة، حيث لا يوجد ترجمات حقيقية للواقع الفلسطيني والأحداث المأساوية في الحقبة الأخيرة إلا البسيط جداً، والذي يدفع بالاستفهام عن دور المؤسسات الرسمية الفلسطينية وتفاعلها مع دور النشر العالمية ومع المترجمين لتحقيق الفوائد المرجوة من تلك الترجمات.

لقد صدر مؤخراً كتاب (Remember Us) وهو مجموعة قصص ونصوص وقصائد وتدوينات مترجمة للإنجليزية لكاتبات فلسطينيات من غزة، كما صدر كتاب (Gaza Writes Back) بإشراف الأكاديمي رفعت العرعير من غزة، وهو عبارة عن مجموعة قصص لكتاب وكاتبات فلسطينيات من غزة أيضاً. كما صدر قبل ذلك مجموعة من النصوص حول الأسرى الفلسطينيين وحكاياتهم ضمن قصص بعنوان مذكرات أسير (The Prisoners’ Diaries) وقام السيد محاضير محمد بتوقيع الكتاب والتقديم له، كما شارك الكتاب بالعديد من معارض الكتاب الدولية مؤخراً.

المتابع لتلك الكتب والترجمات يدرك بأنها أعمال فردية، قرر أصحابها التعاون مع عدد من الأصدقاء الأجانب ودور النشر لترجمة مثل تلك القصص والقصائد، وهو ما يعيد طرح التساؤل عن دور المؤسسة الرسمية والمؤسسات الفلسطينية ذات الشأن.

وأختم بتقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم – اليونسكو – جاء فيه: أن العرب الذين يتجاوز عددهم ۲۷۰ مليون نسمة لا يترجمون سنوياً سوى ٤۷٥ كتاباً، في حين تترجم أسبانيا وحدها والتي لا يتجاوز تعداد سكانها ۳۸ مليون نسمة أكثر من ۱۰ آلاف عنوان سنوياً. وفي أحد الإحصائيات بأن حصيلة ما تم ترجمته منذ عصر المأمون [قبل عام 813م] إلى العصر الحالي ما يقرب الـ10.000  كتاب؛ وهي تساوي ما تترجمه أسبانيا في سنة واحدة. لذلك برأيكم ما هي دلالات هذه الأرقام؟ وكيف تقرءون واقع الترجمة في العالم العربي؟

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

1 Comment

  1. مجموعة “قبل الموت بعد الجنون”
    يسري الغول
    ما دفعني للتقدم أكثر من هذه المجموعة القصصية، أولا وجود خطأ كبير وقعت فيه عندما قدمتها أول مرة، جاعلا من الكاتب كاتبة، وقد نبهني الكاتب إليه مشكورا، والأمر الثاني، حقيقة، هو أننا أمام مجموعة تستحق التوقف عندها، إن كان من خلال الشكل الذي قدم فيه الكاتب مجموعته، أو من خلال الفكرة التي أراد طرحها، فهو يجمع ويوحد بين حدوث الموت ووجود الاحتلال، حتى يبدي للقارئ بأن الموت لن يعود موجودا إذا انتهى الاحتلال، وهذا الشرط والملازمة بين الاحتلال والموت لم يكن لتصل فكرته دون قدرة “يسري الغول” الإبداعية والفنية.
    في هذه المجموعة القصصية يتناول الكاتب موضوع الموت، فغالبية القصص كانت متعلقة به، والتي لم تتحدث عنه مباشرةً ذكر فيها فهو السيد الحاضر والفاعل، كلنا يعلم بان الكاتب لا بد أن يتأثر بالبيئة التي يعيشها، من هنا نجد الحرب وويلاتها قد تركت أثرا واضحا عند الكاتب مما جعله يعكس آثار تلك المشاهد بما جاء في هذه المجموعة “قبل الموت بعد الجنون”.
    يكمن إبداع الكاتب بجعل موضوع صعب علينا ـ الموت ـ نأخذه بصورة أدبية، فيوصل فكرته عن المأساة بأسلوب يكاد ينفرد به، فهناك فانتازيا في أكثر من قصة، كما هو الحال في “قبر حزين، وبردا وسلاما، ثمن الحصار، لحظة موت” وكلنا يعلم صعوبة الكتابة بأسلوب الفانتازيا، خاصة إذا كان الحدث يمس الكاتب بصورة مباشرة، فعليه التجرد من الواقع، وهذا بحد ذاته ليس بالأمر بالسهل.
    المجموعة تنقسم إلى جزأين، الأول “ما قبل الموت” والثاني “ما بعد الجنون”، في قصة “أو كأنه حصار” يتحدث عن سفر الزوج الذي يترك زوجته وعائلته، وفي قصة “فلس…راقية” يتحدث عن التوحد والتماثل بين حالة العراقي بعد الاحتلال والفوضى والتشريد الذي حصل، وبين الفلسطيني المشرد الأول في الوطن، وفي قصة “وجع” يتحدث عن المقاومة، وفي قصة “صاروخ آخر” عن انتشار الموت في غزة وكأنه الطاعون الذي لا يبقى ولا يذر، فيصف لنا حالة الزوج الذي يخرج بجثة زوجته بهذا الشكل “تخرج بأجساد مقطعة، أشلاء مذبوحة، تحمل زوجتك على كتفيك، تسحب طفليك (بالبطانية) التي وضعتها تحتهم” ص24، المشهد السابق بين تفاصيل، أشكال الموت فهو ليس موتا عاديا، هو مذبحة تقع على البشر، حتى انه كان يتعلق “بكل بيت في غزة الآن فيه مأتم” ص25، في قصة “عصفور” يقدم لنا الكاتب قصة من زاويتين، الأولى فلسطينية، حيث يتعرض طفل بريء للقنص من قبل ثكنة عسكرية للاحتلال، والزاوية الثانية، يبين لنا الكاتب سبب إطلاق النار على الطفل، حيث هناك رهان بين مجند ومجندة على من يصيب الطفل فسيكون تحت تصرفا الآخر جنسيا، ” ـ وإذا أصبت منه مقتلا أنسحب، ولا أريدك معي
    ـ …..
    ـ أما إذا فشلت، فأنت لي مرة أخرى يا حبيبتي” ص30، أعتقد بان هذا القصة كانت تحمل لمسة فنية خاصة لأنها قدمت لنا الحدث من زاويتين مختلفتين، والقصة تظهر طبيعة جندي الاحتلال الذي يمارس القتل للتسلية، وهذا يمثل استهتار جيش الاحتلال بأرواح الفلسطينيين، وأيضا لا يلقي بالا حتى بالأطفال، فالقصة تدين الاحتلال وتعري حججه الواهية عندما يقوم بتبرير عمليات قتل الفلسطينيين.
    في قصة “صورة” يستذكر أربع شهداء سقطوا أثناء مقاومتهم لجنود الاحتلال، في قصة “قارب الخوف” يستخدم الرمزية، وفي قصة “وفاء الروح” يتحدث عن مرض التلاسيميا، وفي قصة “قبر حزين” يستخدم الفانتازيا، وهي تتماثل مع فكرة كتاب “مسامرة الأموات” للقيانوس، فهنا كان الأموات يتسامرون فما بينهم، لكنهم يتحدثون عن الموت الآخر، الموت الجديد الذي سيحدث لهم، فهم يتعرضون للقصف حتى وهم في القبور، “فيحدثنا أحد الأموات عن حالته بعد وضعه في القبر بهذا الشكل: “ثم أهالوا علي التراب الصلد، صمت كئيب كان يغشاهم، خاصة والدي الحبيبين، وأنا في الداخل أتضور شوقا للخروج إليهم، لكني كنت عاجزا عن ذلك”ص41.
    أثناء القصف على المقبرة يتحدث الأموات فيما بينهم بهذا الشكل: “ـ ولماذا يفعلون ذلك بالثكنة، رغم أنها خربة، ومهجورة؟
    ـ لأنهم لا يردون لنا الهدوء.
    ـ أتقصد أن ما يجري، يهدف إلى إخافتنا نحن؟
    ـ ربما، أو من اجل تنغيص موتنا” ص43، جاء هذا الحوار الساخر بين الأموات كرد على ما يقوم به جيش الاحتلال من عمليات قصف لأماكن خالية من الأحياء ومن الحياة، فالكاتب أرد من ذلك تصوير حجم الخراب الذي ألحقه الاحتلال بكل الجغرافيا الفلسطينية، حتى تلك التي لا يوجد فيه حياة تقصف بشكل عنيف وكأنها مركز القيادة.
    ينقلنا الكاتب بعد هذه السخرية الفانتازية للأموات، إلى حالة أخرى تمثل انزعاج حتى الأموات من القصف، “شعرت بأنني قد أموت مرة أخرى، وبأن روحي ستتمزق من جديد، تمنيت لو أنني لم أمت، ولم ادفن في هذه الصحراء المرعبة، المتفجرة، حيث القذائف لا تهدأ، …حتى الأضرحة بدأت تصرخ، تناجي بارئها أن ينقذها من ألم القذائف التي تساقطت بقسوة في هذا الفراغ، فقدت الإحساس بالرغبة، فأخرجت غضبا مكبوتا وبدأت أرتعش” ص44، بهذا الشكل الفنتازي استطاع “يسري الغول” رسم هول العدوان الذي شنه الاحتلال على الفلسطينيين، فإذا كان الأموات قد أصابهم الهلع والخوف والصدمة والرعب، فما بالنا بالنسبة للأحياء؟.
    أجزم بان مثل هذا الطرح أنفرد به “يسري الغول”، فلا أحد قدم لنا مثل هذا الخيال الخصب، والفكرة الخارق للمنطق والرائعة في ذات الوقت لإيصال ما يريده. وهنا يكمن أبداع الكاتب الذي اخترق المألوف وجاء بشيء جديد، لم يخطر على أحد، حيث أن تقمص حالة ومشاعر الميت بحاجة استحضار العديد من الأفكار الدينية والتراثية لكي يقنع الكاتب المتلقين بفكرته، واعتقد بأنه نجح في ذلك.
    وفي قصة “بردا وسلاما” يجمع الكاتب بين شخصية النبي إبراهيم وبين شخص معاصر يحمل اسم “إبراهيم إبراهيم” يتعرض بطل القصة للتهديد بالقتل فيهرب من مهدده، لكنه أثناء الفرار تصطدم به سيارة، وهنا يشعرنا راوي القصة وكأنه أصبح في عالم الأموات “..أترنح بين الإغفاءة والحلم، وكأني فقدت وعيي، أو كأنني مت، كنت اسمع بعض الهمهمات، واللغط واللعنات.
    بعدها ينقلنا الكاتب إلى الحديث عن أشباح، يقمعون إبراهيم، فكل تساؤل منه يردوا عليه بكلمة: “ـ اخرس، اصمت أيها الجبان” 48، بهذا الشكل المتداخل بين الأحياء والأموات، بين الواقع الخيال، يأخذنا الكاتب إلى غياهب التاريخ، إلى النبي إبراهيم عليه السلام، وعملية تحطيمه للأصنام، “لماذا تريد أن تحطم ما كان آباؤنا يعبدون؟” ص51، لكن إبراهيم العصري فعلا ليس له أي علاقة بما أتهم به ويرد عليهم: “أقسم بأنني لم أفعل” لكن ذوي الكروش المنتفخة يصرون على موقفهم فيقررون حرق إبراهيم “ـ سنحرقك كجدك، سنحرقك بملابسك الفاخرة،” ص52، بهذه الشكل المتداخل بين المعاصرة والتاريخ الديني استطاع الكاتب أن يقدم شكلا جيدا للقصة، فهو لا يتحدث عن حدث معاصر وحسب بل جمع وربط المعاصر بالتاريخ، من هنا كان طرحه ممتعا، وفي ذات الوقت يدفع القارئ لتأمل بالفكرة والحدث الذي طرحه الكاتب.
    وعندما يتعرض للحرق يقول إبراهيم: “ـ هل تكون النار بردا وسلاما هذه المرة؟” ص52، وكأنه يشكك بواقعية الحدث المعاصر، وهذه القصة من أمتع ما في المجموعة، لكن نهاية القصة كانت بهذا الشكل “بثت قناة فضائية عبر شبكتها خبرا جاء فيه… “بعد وقت غير قصير من الحريق الذي شب في أحد متاحف المدينة، عثر على الكاتب والمفكر إبراهيم إبراهيم في المكان، دون معرفة الأسباب الحقيقية للحريق” 53، انتهاء القصة بالزمن المعاصر لم يلغي أو ينفي الحدث الديني القديم، بل جعله حاضرا ومؤثرا، وفي ذات الوقت أضاف إليه وجود حالة معاصرة ومماثلة، فالتعامل بإلغاء ومحاربة الفكرة الجديدة رغم منطقيتها من العامة، يعد جريمة بحق صاحب الفكرة وبحق الفكرة ذاتها، وبحق العامة أيضا.
    القسم الثاني “ما بعد الجنون” يبدأ بقصة “ثمن الحصار” الذي يتناول موضوع الجوع ومنع التجوال أثناء الحرب بأسلوب الفانتازيا، قصة “المنبوذ” تحكي عن قصة زواج حيث يكون راوي الحدث “دروشا” وفي قصة “رقصات متعبة” يتناول حال المرأة، وفي قصة “صدفة رأيتها” يتحدث عن معاملة جنود الاحتلال للفلسطيني على الحدود، قصة “طائر من الكريستال” يتحدث طائر الفينيق الأسطوري، قصة “سر القلادة” يتحدث عن الموت، وفي قصة “لحظة موت” أيضا يستخدم الفانتازيا ويحدثنا على لسان الإنسان وهو يحتضر، في قصة “الغرباء” تجمع بين أسلوب الرمزية من خلال الصراصير والفانتازيا معا، وهنا يذكرنا “يسري الغول برواية “المسخ” لكافكا، في قصة “جسر من ورق” يتحدث عن الكتاب، في قصة “أنا ورنا” يحدثنا عن طفل والأب القاسي ورنا الفتاة والمدرسة، وكيف أن العلاقة بين الجنسين في مجتمعنا تحمل شيئا من الاستغراب، في قصة “هذا أنا” يحاور الكاتب ذاته مستخدما اسمه “يسري الغول” في قصة “الغضب” يتحدث عن شخص يحمل اسم غضب.
    نذكر بان المجموعة من منشورات مركز أوغاريت، رام الله، طبعة أولى عام 2010، وهي فعل تمثل نقلة نوعية في القصة الفلسطينية، أن كان من خلال الشكل الأدبي الذي قدمه لنا، أم من خلال اللغة وقدرتها على توصيل فكرته بلغة أدبية، ويضاف إلى كل هذا أسلوبه الأدبي المتميز والناجح.
    رائد الحواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *