مقالات - صحف عربية

الثورة وسقوط الثور

n00059941-b

خمسة أعوام مرت على انطلاق ثورة يناير المصرية، لتجدد التساؤلات الكثيرة والمؤلمة حول ماهية تلك الثورات، وحقيقتها من عدمه، وهل هي ربيع أم خريف لتقسيم المنطقة؟ وهل هو بالفعل شرق أوسط جديد؟

كنت كتبت قبل أربعة أعوام ونيف مقالاً حول تلك التساؤلات مستشرفاً الواقع المرير بعنوان (الربيع المهزوم) ونشر فيه حينه بصحيفة الزمان بلندن وتم تضمينه في كتاب عن الثورات العربية، لذلك عدت لقراءته مؤخراً لرغبة إحدى الفضائيات الحديث عن الثورات العربية ومستقبل القضية الفلسطينية في ضوء المتغيرات القطرية والإقليمية الجارية؟

وللإجابة عن كل تلك التساؤلات لا بد انطلاقها من معرفة الإشكاليات التي واجهت الثورات العربية التي هزمت –على الأقل مرحلياً- بفعل الثورات المضادة، والتي تمثل أبرزها في تجذر الدولة العميقة داخل أركان الدولة، وعدم رغبة تلك الأنظمة بترك الحكم واستمرار حالة التوريث الجيني أحياناً والعسكري أحياناً أخرى، بالإضافة إلى حالة الجفاف الثقافي والمعرفة بالحقوق والواجبات لدى أفراد المجتمعات العربية، واستمرار تغذية العقول برواية الأنظمة وإرهابها من خلال وسائل الإعلام التي تمارسها السلطات منذ وصلت ديارنا، ثم رغبة الاستعمار باستثمار خيرات البلاد والحفاظ على مكانته في المنطقة من خلال إبقاء فرقاطاته وبوارجه وعملاؤه ودولة الكيان بمأمن عما يجري على الأرض، لذلك فإن سياسة فرق تسد مستمرة، مرة بالمذهب والدين ومرة بالحزب ثم بالقبلية إلى أن تتفكك منظومة العقد الاجتماعي العربي، وهو ما يحصل الآن، وإن التخوف من الوصول لمرحلة تفتيت المجزأ أمر وارد خصوصاً بعد صناعة داعش والحشد الشعبي وغيرهم الكثير. ثم إن سذاجة حركات الإسلام السياسي في التعامل مع الواقع كانت سبب مهماً في فشل مشروع الثورات العربية وتحقيق سنة التدافع، فاعتقاد أفراد وقيادات تلك الجماعات بأن المجتمعات عبارة عن صورة مكبرة عن المساجد والجمعيات التعاونية التي يديرها هؤلاء، الأمر الذي أحدث حالة عراك داخلي وتشتت داخل تلك الجماعات، خصوصاً بعد إسقاط الرئيس المصري محمد مرسي. وفوق كل تلك الإشكالات كان العامل الأول المتمثل في رغبة الأنظمة بالتسيد هو السب الرئيس، لتصير الثورة أمراً لا يمكن تقبله حتى لو فنت الشعوب وبقيت الأنظمة وحدها في البلاد، كما يجري في سوريا الآن.

إن نجاح تلك الثورات يكمن في العودة إلى طاولة الحوار وإيجاد نقاط التقاء بين المعارضة والأنظمة، وعدم الركون إلى الغرب الذي يمارس دور المصلح وهو السبب الرئيس فيما وصلت إليه الأمة من حال. كذلك فإن الشعوب عليها أن تدرك أن الرأي والرأي الآخر مشروعان، فلا تشكيك أو تخوين، ولكن بناء واتفاق من أجل الطفولة البريئة التي تغرق على سواحل اليونان وتموت تحت القصف في حمص وإدلب ومضايا. وإن الأمة مناط بها البعد عن التأويل الديني والتعصب المذهبي، فالإنسانية واحدة وهدم الكعبة أهون من سقوطها، وعلى الأطراف القوية احتواء الضعيفة وعلى الأخيرة أن تقبل ولو بالفتات حتى يتم إعادة اللحمة لهذه الأمة التي فقدت صوابها ورشدها، وصارت تتخبط في ردهات المؤسسات الدولية الناشزة.

وختاماً، فإن الثور المتمثل في قيادات الانقلاب والثورات المضادة على الشعوب، لا بد وأن يزولوا عن حظيرة الوطن الكبير، فالشعوب رغم كل الوجع التي تعانيه أدركت ثمن الحرية وهي تدفعه رغم أنفها، وسيفر الثور وتبقى الحظيرة.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *