مقالات - صحف عربية

الحرب في بر مصر

سسسسس

أبكتني يومها، لدرجة أنني لم أنْس فصولها المتتابعة، وكأن المصري البسيط هكذا قدره.

ففي أحد الصباحات الباكرة قررت قراءة رواية “الحرب في بر مصر” الرابعة ضمن تصنيف أفضل 100 رواية عربية، وفعلت، لأكتشف بأن صاحب العمل وهو الروائي الكبير يوسف القعيد قد أخذني إلى تضاريس الفلاح المبكية، والصراخ بداخلي لا يتوقف، وكأن الألم سيمفونية الحكاية التي ترسم صورة ذلك المواطن البسيط في بلاد لا ترحم أحداً.

تدور أحداث تلك الرواية في إحدى القرى بالصعيد قبل حرب 1973، حيث يخاف عمدة تلك القرية على ابنه الأصغر من ويلات الحرب، فيتنصل عن إلحاقه بالجيش، ولكيلا ينكشف أمر العمدة، فإنه يرسل ابن خفيره “مصري” بدلا عنه، ثم يقوم باستخراج أوراق إثبات جديدة لـ”مصري” باسم ابن العمدة، تتورط في ذلك الأمر شخصيات عدة داخل أروقة تلك الرواية، فيؤخذ من ذلك الفلاح البسيط كل ما قد يثبت هويته الحقيقية، ثم يلتحق بالجيش، وحينما تبدأ الحرب يستشهد الأخير ببسالة، فتنتقل كل كراماته وامتيازاته للعمدة وأهله لبطولة ابنه المزعوم، بينما الابن الحقيقي حي يرزق. وزيادة في إجرام ذلك العمدة، فإنه يرفض تسليم جثة “مصري” إلى والده المكلوم الذي لا يملك من الذكور سواه حسبما أذكر، فتدفن خيوط القضية مع الشهيد نظرا لتورط شخصيات عديدة بالموضوع كما أسلفت.

إن الواقع المزري اليوم في أرض الكنانة، والدماء التي تهرق في كل مكان تدفع بالتساؤل القديم الجديد، مصر إلى أين؟ ومتى ستتحرر من بطش القوي لترحم الضعيف؟ أم أن هذا حالها على الدوام؟ فجميع المقاطع التي جاءت داخل الحياة/الرواية اعتمدت الوصف الكاريكاتوري الذي لا ينفك عن ذلك المجتمع الذي تحدث فيه محفوظ وإدريس والأسواني والغيطاني من قبل.

فالعمدة -على سبيل المثال- يدعي الوطنية في زمن العهر والخيانة، ويتحدث عن حب مصر الذي يجري في دمه، ولعله يقسم بأغلظ الأيمان بأنه من أهل الخير الكرماء المحسنين، رغم الأفعال المناقضة التي تطرح الوجه المفارق للشخصية، فهو كاذب ومجرم لا يمتلك في قلبه أي رحمة، بدليل مسؤوليته عن تجنيد كل أولاد البلد، مستندا علي علاقاته والأوضاع التي أضحت سائدة في السبعينيات حين يقول: “نحن في أيام شعارها معروف: معك قرش تساوي قرشاً. وأنا والحمد لله معي ملايين القروش… وقريبا سيجرون عمليات جراحية للناس في بلدي، يستأصلون فيها القلوب، ويعلقون مكانها جنيهات ذهبية تخفق بدلاً من القلوب وتدفع بالقروش الذهبية بدلاً من كرات الدم الحمراء والبيضاء”.

“الحرب  في بر مصر” رواية من الروايات التي واجهت سياسة الانفتاح في عهد أنور السادات. وتتحدث عن حقبة مريرة مر بها الفلاح المصري الفقير والبسيط لأنه لا يملك المال أو القرار.

لعلنا لو أردنا أن نسقط ما فيها على ما يجري اليوم سنكتشف العجب العجاب، فقد تغيرت الحقائق وصار لونها رمادياً لا يكاد يبين.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *