مقالات - صحف عربية

السيد صاحب الفخامة.. ارحل

Leadership

كتب صديقي ذات مرة مقالاً مطولاً يطالب فيه رئيس الحكومة بغزة الرحيل، حيث كانت الأوضاع قد انحدرت في حينه إلى أسوأ مراحلها. ولم يكن يظن أحد أن الأوضاع ستصير إلى ما بعد ذلك الأسوأ في ظل الواقع الذي تصنعه قيادة السلطة متمثلة برئيسها، وليس في غزة وحدها هذه المرة، بل في شتى أرجاء الوطن؛ فكنا كشعب بانتظار أن يخرج أحد من قمقمه ليصرخ بملء الفيه مطالباً رئيس السلطة بالرحيل، ولكن فيما يبدو أن سياسة القمع وتكميم الأفواه والاعتقالات السياسية في الضفة الغربية وقطع الرواتب في غزة عطلت كل منافذ الحرية وأشرعتها، حتى لم يعد هناك مجال للصراخ في وجه الذين تسيدوا أمر البلاد والعباد.

السيد رئيس السلطة.. ارحل، فلقد هُوِّدت القدس كما لم تُهود من قبل، وحُرقت المساجد ودُمرت البيوت هناك دون أن تفعل لها شيئاً. حتى التلفزيون الرسمي -الذي يأتمر بأمرك- صار شيئاً من عدم أمام الإجرام الصهيوني بحق أهلنا في القدس والاعتداءات المستمرة والتهويد اللامتناهي أمام صمت فخامتكم.

ارحل، لأن الاستيطان في عهدك وصل إلى حد التخمة دون أن نسمع لك هسيساً، فتجرأ الاحتلال على زيادة البناء فوق أراضينا المحتلة وفي الضفة أيضاً. بينما تمن على المحتل برفض التفاوض الذي ترجوه وتسعى له كل لحظة.

ارحل، لأن الحلابات والحواجز الاسمنتية والجدار العازل في ازدياد مستمر واستطراد دون كلمة تحرك الثورة بداخل الرجال الذين قتلت البندقية فيهم، وحاصرتهم وقتلت الشرف في خواصرهم. وصور النساء اللواتي يضعن على الحواجز، والنساء اللواتي يفترسهن كلاب الاحتلال وصمة عار في جبين كل رجل في ديارنا.

ارحل لأنك قمعت كل نفس ثوري فينا، واعتقلت كل مناضل وشريف، وحيدت سلاح المقاومة عن الميدان بحجة السلاح الواحد، ونسيت أن سلاحك سقط يوم خرج المسلحون بملابسهم الداخلية في سجن أريحا، وصارت سلمية فخامتكم أمام الغطرسة الصهيونية أيقونة باهتة تؤمن بها وحدك وبطانتك، وتقاتل من أجلها أبناء جلدتك الذين يحلمون بغد أفضل.

ارحل، لأنك تقتلنا كل يوم حين تتنكر لدماء الأطفال الذين يدهسهم المستوطنون بدموية، وفي عرفك (المستوطنون هم البشر) وما دونهم فليسوا كذلك، حتى صار صمتك أمام دهس أطفالنا كل يوم بالأراضي المحتلة والضفة الغربية لا يؤثر فينا.

ارحل، لأنك تعتبر قادة الصهاينة سادة لهم الاحترام والتقدير، وأن المناضلين قتلة ومجرمين. وصار عداؤك لهذا الحزب أو ذاك، ولهذا القائد من حزبك أو ذاك أكثر من عدائك لأحد، حتى الشيطان ذاته.

ارحل لأنك لم تستطع أن تتهم الصهاينة بقتل الشهيد ياسر عرفات دون لجنة تحقيق فصرحت بذلك دون خجل، لكنك قادر على اتهام الآخرين دون لجنة أو حتى دون أي حدث؛ فهم وحدهم تجار الدم، ونسيت أن هناك تجار الوطن وأبناءهم المستفيدين من ذلك، والملايين يا صاحب الفخامة تشهد.

ارحل، لأنك لم تفعل شيئاً لغزة وهي تموت، كما لا تفعل شيئاً اليوم أمام تهويد البلاد. فقد اكتفيت برسائلك لسفاراتنا في الخارج أن تكون علينا لا لنا، وأن تتهم صواريخ المقاومة دون أن تتهم الجلاد، وبدلاً من أن تحضر بحاشيتك إلى غزة ومواساة أهلها ومؤازرة أبطالها. قمعت كل مظاهرة خرجت تضامناً معها في الضفة المحتلة، وما زلت تقتل كل ظاهرة انتفاضة قد تحقق جزءاً من المعادلة.

ارحل، لأن غزة صارت في عرفك عاقة لا تستحق الحياة، ومن فيها يجب أن يكونوا منبوذين، هكذا دون سبب، فهي في عرفك إقليم متمرد.

ارحل، لأنك قد بلغت من العمر عتياً فلم تعد تبصر المصيب من المصيبة، ولم تعد تعرف العدو من الصديق، ولم تعد تؤثر فيك الخطوب. ففي الوقت الذي يتلذذ فيه أحفادك بالنعيم فتترهل وجوههم وأجسادهم، يموت مرضى المشافي لعدم توفر وجبات الطعام التي تمنعها كما الكهرباء عن غزة، فلا موازنات تشغيلية لمن لا يستحقون الحياة.

ارحل، لأن أطفال غزة ما زالوا يتضورون جوعاً، فأربابهم صاروا فقراء أمام عتبات الراتب الممنوع، وتناسيت أن أكثر من أربعين ألف موظف هم بشر أيضاً كالمستوطنين الذين احتلوا أرضنا، لكنهم في نظرك لا يستحقون الراتب لأنهم عملوا في وقت أردت فيه لغزة أن تموت، وأن تتعطل فيها الحياة.

ارحل، لأن المعابر صارت في عهدك عنق زجاجة، فلم ترفع حصاراً رغم أنك قادر على ذلك ولم تدع لانعقاد جلسة للبرلمان أو حتى تصلح منظمة التحرير وحدك، لأن الفساد يعلو قمة الهرم.
ارحل، لأنك عطلت عمل حكومة الوفاق، وجعلتها مجرد أداة بيدك، وصار صوتها خافتاً.

ارحل لأنك لم تعد تمثل الشرعية القانونية التي أقرها دستورنا. فتمسكت بشرعية العالم الظالم الذي يرفض الآخر بمشروعه، فصرت خلاصه ولن تدوم.

ارحل، لأنك لم تكن يوماً رئيساً لشعب، فقد كنت وما زلت تتعامل على أنك رئيس لحركة هنا أو هناك. بل وزيادة على ذلك، قتلت تلك الحركة وبترت أطرافها واعتقلت مقاوميها، وعاديت من خالفوك فيها، فتعتقل هذا وتقطع راتب ذاك. وصار الوطن مجرد مزرعة أنت ربها.

ارحل، لأنك كنت عوناً بحرق عزة وإطفاء الأنوار فيها، وكأن الأزمات التي تحياها من انعدام الكهرباء وتعطيل التعليم وسوء العمل الصحي وتوقف المشافي لا تعني لسيادتكم شيئاً. وكأنك لا تريد لغزة إلا الدمار، وهي التي تبني وستنتصر بك أو بغيرك.

ارحل، لأن التفريط في الحقوق صار في عهدك وجهة نظر، وصارت المقاومة تجارة دم، وصار القتلة بشراً، وصار الدمويون سادة، والثوار والأبطال مجرمين لا مكان لهم غير غياهب السجون.
ثم بعد كل هذا، تبقى وتقول بأنك تمثل الشعب.

ارحل يا صاحب الفخامة واترك التاريخ لرجال يكتبونه بالدم، فقد أشبعتنا بالكراهية؛ فقسمتنا أكثر مما يريده عدونا.. السيد فخامة رئيس السلطة.. ارحل، فقد مللنا رؤيتك كل صباح.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *