مقالات - صحف عربية

المصالحة الفلسطينية، وأزمة الهوية الوطنية

 

تقوضت الوشائج الفلسطينية مع بدايات الانقسام الفلسطيني، وأضحت الأواصر المجتمعية والنسيج الاجتماعي متهتكاً إلى أقصى حد ممكن، فقد تكللت فترة الانقسام بصبغة (الحزبية الأسرية)، حيث وصلت حالة العداء بين أقرب الأقطاب داخل البنية الأسرية، لتولد العداء بين الآباء والأبناء، وبين الأشقاء أنفسهم، بمعنى أنها وصلت إلى حالة الالتباس في مفهوم التراحم المجتمعي، فأضحى المجتمع ممزقاً من الداخل، ساعد في ذلك حالة الانهزام العربي، والتواطؤ الدولي الدافع باتجاه بقاء الحالة الفلسطينية متعثرة ومقسمة.

ورغم أن جميع الأطراف المعنية -وأقصد هنا حركتي فتح وحماس- كانتا تئنان من الألم والوجع، بعد أن أثقلتهما الجراح وبترت أحلامهما القذائف، إلا أن كبرياءهما حال دون أن تتم تلك المصالحة إلا متأخراً، ورغم أن المصالحة صورية حتى اللحظة، إلا أنها حال نجاحها لن تكون أكثر من إدارة للانقسام الفلسطيني وليس إنهاءً له.

المؤسف في الأمر أن الجميع يدرك مدى تدهور الوضع الفلسطيني على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، إلاّ أن حالة (العقل العربي المتبلد) أو (البلادة السياسية العربية) المتوفرة بكثرة لدى الحركات والأحزاب الفلسطينية، تدفع باتجاه تدهور الأمور، والوصول بالمجتمع إلى حالة الانفجار، ليس على صعيد المحتل هذه المرة، وإنما على صعيد الوضع الداخلي، فقد وصل الفلسطينيون الآن إلى عنق الزجاجة، وليس بالإمكان خروجهم منها إلا بتحديد نقاط الالتقاء والبناء عليها، لا التشبث بالرأي أو اعتماد سياسة تخوين الآخر.

الأحزاب الفلسطينية الأخرى، تعتبر أن ما يجري على الأرض لا يعنيها بأي حال، فهي في قرارة نفسها التنظيمية ترغب ببقاء الوضع على ما هو عليه، رغم إظهارها غير ذلك ومطالبتها الدائمة بإنهاء الانقسام، لأن الانقسام يوفر لتلك الجماعات الأرضية الخصبة لاحتواء المزيد من الأنصار الذين يرفضون فكرة حركتي فتح وحماس. وليس ذلك فقط، بل إن بعض تلك الأحزاب يحاول العمل على إذكاء الفتنة خشية من أن يتم اقتسام (كعكة الوطن) على هاتين الحركتين فقط حال وجود توافق فعليِ على المصالحة وإنهاء الانقسام والتشرذم السياسي.

ورغم إتمام توقيع اتفاق المصالحة في مصر قبل أكثر من شهر، إلا أن المصالحة لم تحدث ولن تحدث ما بقي الحال على ما هو عليه الآن من اعتقالات سياسية وغير ذلك من كبت الحريات وقمع المثقفين في الأراضي الفلسطينية. فعلى ما يبدو أن الرئيس الفلسطيني أراد فقط إحداث بالون إعلامي أو ضجة إعلامية من شأنها أن تعمل على إرباك الجانب الإسرائيلي ثم استغلال ردة الفعل الإسرائيلية بالترويج لاستحقاق أيلول وما هو ما ترفضه دولة الاحتلال جملة وتفصيلاً، ولعل توقيع الاتفاق كان مفاجئاً لإسرائيل، فسرعان ما وجه نتنياهو خطابه إلى أبو مازن، بأنه ليس أمامه سوى الاختيار بين إسرائيل أو حماس، لذلك اعتبر أبو مازن وأنصاره بأنهم استطاعوا استفزاز الجانب الإسرائيلي للخضوع ولو لبعض المطالب الفلسطينية، التي لم تتحق حتى اللحظة للأسف.

الحكومة المصرية استفادت أيضاً في تحقيق المصالحة أو إدارة الانقسام، بأنها أظهرت لشعبها بأن الثورة أنتجت حكومة ستعود بمصر إلى صدارة الدول العربية، وإعادة دورها الريادي إلى الواجهة.

أما حماس فقد جنت بعض المكاسب أيضاً، لكنها كانت أقل تلك الأطراف حصة في المنفعة. المؤسف في الأمر بأن بنيان المصالحة يتهدم لحظة بلحظة جراء الاختلافات العميقة بين الجانبين، فليس من السهل إعادة الأمور إلى نصابها بعد أربعة أعوام من الانقسام. وهو ما يخشاه الفلسطيني هذه اللحظة.

ومن الممكن القول بأن المواطن الفلسطيني سئم حالة الانقسام تلك، فلم يعد لديه القدرة على تحمل التجاوزات التي تجري هنا وهناك من طرف الأجهزة الأمنية، والوزارات المتناحرة والإهمال الطبي، ونقص الدواء و(استحلاب) المجتمع بزيادة الضرائب، والمخالفات المرورية، وأزمة الكهرباء وغيرها الكثير.

إن الفلسطيني اليوم يفقد هويته الوطنية، ويتجه نحو الأقليات الحزبية والتنظيمية، وليست العرقية أو الثقافية أو الدينية، فالثقافة واللغة والدين والتاريخ واحد، لكن للأسف يبدو أن الفكر والتوجه مختلف، وأن  قادة الحركات الفلسطينية أيضاً على دين آخر.

إن المرحلة القادمة هي أخطر بكثير من الانقسام ذاته، لأن المواطن الفلسطيني بدأ يطرق جدران الخزان بقوة هذه المرة، وسرعان ما سينقلب على حكومات الأمر الواقع تلك، لأنه بات يدرك بأن الوطن تقوده أجندات خارجية تحت شعارات زائفة ومصطنعة، فعلى حركات التحرر الفلسطينية أو التي تنادي بالتحرر أن تلتفت إلى مصالح شعبها وأن تعيد اللحمة الوطنية، بدلاً من أن تُغرق السفينة بمن عليها.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

4 Comments

  1. يسري الغول says:

    أشكرك أخي صادق
    والاختلاف بالطبع لا يفسد ولن يفسد للود قضية

  2. sadek amen says:

    اخي يسري……………….. ارجو ان يتسع قلبك لما سأقوله بوسع ارضنا الحبيبه… وهذا املي…

    اشكرك …. على اهتمامك الكبير وحرصك على فلسطين هذا البلد وقضيته المظلومتين
    اسمح لي بدايتا لو ان الموضوع يطول بيني وبنك لأختلافنا في التشخيص والوصف وطريقة العلاج والتي لم تتطرق لها ابدا وان كنت نوهت تنويهات مطاطه لا تلامس الواقع …..

    اذا كنت اريد ان ابدء الحديث لا بد من وجود توطئة لحديثي لكي يتم التفاهم وياريت يكون الشعب الفلسطيني كله مثلك اخي في ثقافته وحبه لبلده وحرصه على معرفة الحقيقة….

    سوف ابني منطلقاتي اقتباسا مما اشعر انني مختلف معك في مقالك السالف ذكره مع اعتقادي الجازم ان هذه الارضيه ستقرب وجهة النظر وستختفي الاشكاليات التي بيننا بأذن الله ولعلها تكون لله عز وجل خالصه …

    اولا : يجب معرفة ماذا تعني لنا فلسطين من ناحيه عقائديه وجغرافيه واجتماعية….

    ثانيا : يجب ان نعرف منطلق الفصائل المقاومة وخلفياتها وبداية نشأتها وبرنامجها ولعلك قد اطلعت على هذا كله قبل ان تكتب تلك المقاله ويبدوا انه فاتك الشيئ الكثير من تلك الحقائق …

    ثالثا : يجب ان نعرف ان النسيج المجتمعي الفلسطيني عجيب وغريب ومعقد فلا يوجد بلد في الدنيا فيه هذا التشابك والتعقيد كما في النسيج الفلسطيني ………….

    رابعا : ما يربطنا نحن الفلسطينين اكثر مما يفرقنا ولعل الشعب الفلسطيني لديه من الثقافه ما يفيض على العالم كله دون مبالغة …..

    خامسا : لا يجعلنا حبنا الشديد للحزب او للفصيل ان نغفل او نغمض اعيننا عن العيوب او الاخطاء التي يرتكبها ونحاول ان نسوغ له ما يفعل لأن له تاريخ نضالي او مقاوم ………. ولا يصح الا الصحيح….

    سادسا : وليس اخيرا انت تعرف وانا اعرف ان الله مطلع علينا ويعرف السر واخفى ولنجعل مخافة الله عز وجل امام اعيننا

    (( ولنقل ماذا سوف نقول لربنا غدا ))

    وللحديث بقية……. دمت لي

  3. بيعين الله أخي ماهر نحن بحاجة إلى تعزيز ثقافة المحبة والتسامح بين أبناء المجتمع

  4. ماهر عم says:

    تحليل رائع أستاذي … أقول أننا شوهنا قضيتنا و فقدنا هويتنا الفلسطينية و ماهيتها … الشعب يزداد بؤساً و معاناة … إلى متى …؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *