مقالات - صحف عربية

المعبر

154477_10152561512075931_1224109146_n

آه من طول الطريق، وقلة الزاد، ووحشة السفر” الإمام علي بن ابى طالب.

هالتني الصورة، أبكتني، والمرأة تمد يدها بجواز السفر للفراغ. تنتظر رحمة العبور إلى الشق الآخر من العروبة، إلى مصر التي لم تعد مصرنا، ربما لعلاج أو ربما مروراً لبلدة أخرى وحكاية أخرى. ولكن –للأسف- هذه المرة لم تعد الأمور كما كانت؛ فكل شيء على غزة حرام.

أتابع الفيس بوك وتويتر فأشاهد المآسي التي عايشتها لمرات عديدة، وتعود بي الذاكرة إلى الوراء، وحكاية الانتظار في صهد الشمس على بوابة المعبر، بانتظار الخروج من سجن غزة الكبير إلى رحابة أم الدنيا التي لم تعد أماً لنا. أتذكر معاناة استصدار فيزا للعودة لغزة فيما بعد، ومعاناة الحجز داخل المطار لأيام معدودة حتى يفتح لنا المعبر أو تسمح إدارة المطار بعودتنا ترحيلاً إلى غزة، وحكايات لها رائحة الحنظل ولون الدم.

أتذكر رواية “المعبر” للكاتب الفلسطيني زياد عبد الفتاح، حين يقول في المحتل الذي كان يرابط بين غزة وأرض الكنانة، وكأنه يقول ما نريد قوله اليوم ولكن ليس للمحتل، وإنما لأخوة الدم والتراب: “تدخل المعبرَ من ناحية رفح، تبدأُ رحلةَ انتهاكِ عقلكَ وروحِك وإنسانيتك، وتدخُلك مشاعرُ تضعك وجهاً لوجه أمام ممارسة عملية، تلخصُ على نحوٍ فاضح فكرةَ اعتبارك أقلَ شأناً، تقفُ في مواجهة الأعلى، هل هذا ما تعلموه وتربوا ونشأوا عليه.

وفي “رجال في الشمس” لغسان كنفاني، بكى أبو الخيزران من فرط الجنون، فقد مات الجميع بمن فيهم أبي قيس وصهد الشمس يعزف لحن الحدود. ففي تلك الرواية المجيدة يقرر أبو قيس ومن معه الهرب من جحيم الجوع إلى بلاد أكثر رخاءً واستقراراً، لكنه يموت عند الحدود حين ينساهم أبو الخيزران معلقين داخل جدران ذلك الخزان الصاجي في صحاري لا ترحم وقيظ لا ينتهي، بينما يلهو معه الجنود على الحدود الكويتية العراقية. فيهتف في نهاية الرواية على موتهم بغصة ملأت كيانه: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟”.

الفلسطينيون لم يعودوا مثل أبي قيس بأي حال، فغزة على وشك الانفجار في وجه الجميع حتى تعود لها الحياة، فالحصار قد أخذ منها مبلغاً لا يمكن تصوره، بينما يلهو أصحاب العروبة ودعاتها على أوجاعها، يرقصون طرباً في غيهم وسكرتهم متناسين أن هذه الغزة هي بوابة الروح للامة كلها، فلولا قوة وعزة رجالها، لتوغل المحتل في جسد الأمة العربي، ولكن لا أحد يدرك أنها صمام الأمان، لأنه لا يرى فيها سوى قبحه وقذارته.

إننا على الحدود حقاً، وإن جدران الخزان تكاد تنفجر من أصواتنا، وإن العالم يصم أذنيه، لكنه قد يفتحهما وقد تناثرت أشلاؤه لأنهم سيفجرون جدران الخزان، فالجنون لا ينتظر أحداً حتى يأتي.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *