قصص قصيرة

الموتى يُبعثون في غزة

Resurrection

إلى إرنست همنجواي وعبد الوهاب البياتي، الحضور اللامتناهي ….

***

انتصف الليل، واستوى القمر على قرني فارس ملائكي في السماء. فهتف جدي في وجهي مسرعاً بأن الوقت قد حان لعودة الغائبين حسبما تقول الأسطورة التي احتفظ بها ردحاً من الزمن. ثم أمرني بالخروج من قمقمي والبحث عن رفيق أبحث عنه كشمس في دياجير المخيم. لذلك غذذت الخطى في طرقات وردهات لا أتبينها حتى وجدته. كان بملابس رثة قديمة، وجسد متكلس، يابس بحاجة إلى تطويع.

عندما استوى على جوديِّه، ساعدته بمسح غبار القبر وحياة الغابرين عن وجهه ثم ناولته غليوناً كان بجوار قدميه؛ فحياني بابتسامة مصطنعة ثم مضى. حاولت إيقافه متلعثماً بإنجليزية ذات لكنة بريطانية صرفة لكنه كان سريع الخطو. فقلت:

–       أتسمح لي سيدي بالسير معك؟

لم يلتفت نحوي، كأنه تأخر عن موعد غرامي. فكررت سؤالي مجدداً.

توقف قليلاً، ثم نظر تجاهي وسأل:

–       إن كنت قادراً على اللحاق بي فافعل.

سرت صامتاً حتى كلت قدماي، فصرخت منزعجاً:

–       على رسلك يا رجل؟

مبتسماً أجاب:

–       ما دمت قد تعبت، فاتركني واذهب للعب القمار وعب التاكيلا مع بعض الحسناوات.

أجبت:

–       أنا لا ألعب القمار، ولا أعرف طعم التاكيلا.

–       إذن من أنت أيها الصفيق؟؟… أتعتقد بأنك ستبدو لي دمثاً وذا مكانة راقية.

–       هاهه، أنا رجل من مستقبل لم تذق طعمه لأنك فنيت قبل ولوجك بوابته.

–       ……………..

–       أنا قادم لك من عالم يضج بالخيال والإبداع أكثر مما تعرف.

–       أتعتقد بأنك قادر على جذب انتباهي يا فتى؟

–       لا… ولكن لعلك لا تعلم أننا في مارس من عام 2014 الآن.

أشعل غليونه وتمتم بلا مبالاة:

–       يبدو أنك فكرة جيدة لنص جديد.

كانت إنجليزيتي جيدة بحيث أنني كنت أفهم همهماته ولغطه، فقلت:

–       إنك من ستكون ضيفاً على نصي الجديد. ألست من قلت يوماً: لم أضطر أبداً لاختيار موضوع ما، بل الموضوع هو الذي يختارني.

ضحكة رفيعة كخيط من هلام تلاشت مع سؤاله:

–       من أنت أيها الـ Kid ؟

لعلي لست طفلاً، لكنني آثرت الصمت، فطباعه غريبة وقد يثور في أي لحظة.

–       ألم تقل أيضاً: لا تظن أن الحرب مهما كانت ضرورية أو مبررة ليست جريمة.

احمرت وجنتاه، وأصابته قشعريرة غريبة:

–       لقد قلت ذلك، لكنها ما زالت مدونة في دفتري ولم يطلع عليها أحد بعد.. أخبرني من أنت أيها الشيطان؟

–       أنا لست شيطاناً يا رجل، إنني من مستقبل بعيد جئتك على طائر الرخ، صدقني.

–       إذن كيف لي أن أصدقك؟

–       ألم تذهب إلى كوبا وتنتحر هناك؟ وبذات البندقية التي أهداك إياها أبوك؟

–       نعم، نعم لقد فعلت ذلك، فقد مللت الحياة. لكن أخبرني من أنت؟

–       لقد كنا بحاجة إليك يا رجل، إنك كنزٌ للرواية العالمية.

–       دعك من المجاملة إذن وقل لي من أين أتيت؟

–       من غزة؟

–       وماذا تعني غزة؟ وفي أي قارة تكون؟

–       إنها مدينة صغيرة بفلسطين ملطخة بالدم كغيرها من بقاع الوطن.

–       ألم تتوقف بعد تلك الاسطوانة المشروخة من الدم والعدوان؟

–       لقد هجّر اليهود أهلنا عام 1948 وهنا نحن نعيث في الأرض بحثاً عن حياة.

يصمت لبرهة، ينفث دخانه. يتمتم:

–       لقد عملت مراسلاً ذات مرة لتغطية الحرب الأهلية الإسبانية، وفي ذلك الوقت شاركت أصدقائي الإسبان في حربهم ضد النازيين والفاشيين.

–       …………….

–       لقد حصلت على تكريم كبير في دفاعي عن إسبانيا، حين حققت روايتي “لمن تقرع الأجراس” نجاحاً منقطع النظير.

–       أتدري يا أرنست.. لقد أهداك شاعر عربي قصيدة لدفاعك عن إسبانيا، لعلك لا تعرفه.

–       ما اسمه يا فتى؟

–       إنه من العراق ويدعى عبد الوهاب البياتي.

–       لا، لم يحالفني الحظ بسماع اسمه من قبل. بالمناسبة لقد تمنيت أن أزور العراق يوماً، فهناك حضارة كان من الممكن لي أن أكتب فيها مجموعة جديدة من أعمالي الأدبية. المهم أخبرني ماذا يقول؟

–       الحقيقة لا أحفظ كل ما كتبه، ولكن أذكر من قصيدته التي أطلق عليها (إلى أرنست همنجواي) قوله: لوركا صامت/ وأنت في مدريد/ سلاحك الألم/ والكلمات والبراكين التي تقذف بالحمم/ لمن تدق هذه الأجراس؟/ أنت صامت والدم/ يخضب السرير والغابات والقمم.

ضحك كثيراً وغليونه يتحرك كإيقاع:

–       لقد صدق شاعركم هذا فنحن نخضب السرير بالدم أيضاً.

لحظتها تذكرت حكاياته الطويلة مع النساء، فسألته:

–       لقد قرأت ذات مرة أنك تزوجت أكثر من واحدة، ربما ثلاثة، فهل هذا صحيح؟

–       أوو أوووه، أي ثلاثة يا فتى؟

يطلب مني بإنجليزيته الصعبة:

–         Cross your heart not to tell anybody how many women I married?

–       أنا مسلم ولكني أعدك بألا أخبر أحداً.

–       مسلم!!!

–       ……………..

–       لا عليك. فأنت كأي إنسان آخر بالنسبة لي، المهم أنك إنسان.

يعد على أصابعه، ويعيد العد مرة وأخرى، ثم يقول:

–       الحقيقة هن كثر، ولا أذكر عددهن بالضبط. آخرهم ماري، تلك المجنونة التي تجمدت يوم أن أطلقت الرصاصة في فمي لأستريح منها ومن كل من حولي.

–       ………………

–       المرأة صحراء قاحلة، جرداء. ما أن ترويها بمائك حتى تصبح شجرة يانعة، مشرقة وفي وجهها ابتسامة الربيع.

–       إذن لماذا تركت الربيع وذهبت نحو حتفك؟

–       لا مجال للحديث في هذا الأمر.

–       إنك غريب حقاً، ألست من كنت تقول: إنك من الممكن أن تدمر الرجل ولكنك لا تستطيع أن تهزمه؟

–       ……………..

–       لقد هزمت نفسك، ولم تنجح كما فعل بطلك العجوز في روايتك (The Old man and the Sea).

–       لم أهزم نفسي، وأرجوك توقف عن الإساءة لي؟

–       أعتذر.. لكنني منزعج من ….

–       أرجوك توقف.

–       ……………

–       انتحر أبي كلارنس عام 1923 ، كذلك حفيدتي مارغوك وأخواتي أورسولا وليستر.

متابعاً بحزن:

–       إننا لا نستطيع تحمل الألم الموجود في هذه البسيطة، فمناظر الدماء والإعاقات والأمراض والفقر والعبودية تقتلنا فلا نقبل بالبقاء صامتين أمام تلك الحماقات التي جاءت رغم أنوفنا.

متشجعاً أقول:

–       ترى لو كنت بيننا الآن، أكنت ناصراً غزة وأهلها الذين يموتون جوعاً بسبب الحصار.

–       أنا لا أعرف غزة، لكنها بالتأكيد كغيرها ستظل تعاني، لأن ما تبقى في هذا الحضيض الذي تسمونه (العالم) مخلفات بشرية. وستكتشفون كم كنتم أغبياء إن اعتقدتم أن أحداً ناصركم.

–       ………………

–       لقد شاركت في الحرب العالمية الأولى والثانية وعملت متطوعاً بالصليب الأحمر الإيطالي، وكنت أرى الدماء تنتشر في كل ردهة من العالم حتى انعدمت مشاعري، ولم أعد أشعر بالخوف أو الجزع، أو التعاطف مع الآخرين إلى أن أصبت بجروح خطيرة وقعدت شهوراً بأحد المشافي أتجرع مرارة الألم.

–       ………………

–       الألم الذي لن تعرفه إلا عندما تعيشه.

–       …………….

–       لهذا كانت السوداوية تغلب على رواياتي إلى أن أدركت أن القوة النفسية لعقل الإنسان قادرة على تجاوز كل حدود الخوف والعبودية. قادرة على الصمود حتى لو قمت بتدميرها، لأنها ستبعث من رمادها كما العنقاء وكما سنتياجو بطلي في روايتي العجوز والبحر.

–       ………………..

–       أتسمح لي بمناداتك يا رفيق؟

–       يسعدني ذلك بكل تأكيد. فأنت الكاتب الذي أحب.

–       إذن أخبرني يا رفيق: لم أتيت إلى هنا؟

–       لقد أخبرتك يا سيدي، بأنني كنت بحاجة إلى أن أكتب نصاً جديداً، وكان لي أن أختار بين من أحب، فقررت أن تكون رفيقي في قصتي هذه.

–       … أتعتقد بأنني مناسب لأكون معك هنا؟ أليس هناك من هم أكثر قرباً منك؟ من عالمك؟

–       ربما، لكنني بحاجة لأستمع لك، فأنت أول من قرأت له بالإنجليزية.

–       هههههههه، إن إنجليزيتك مميزة، لكن ما هي اللغة التي تتحدثون بها في بلادكم؟

–       العربية.

–       جميل، كنت أفكر بالذهاب إلى العراق ومصر وزيارة الأماكن الأثرية هناك وتعلم بعض من لغتكم كي أضيفها لقصصي ورواياتي. ربما في لقاء آخر أستطيع إخبارك ما حال دون ذهابي إلى تلك البلاد.

–       ………………….

–       لقد تأخر الوقت ووجب أن أعود إلى قبري، فهناك من ينتظرونني بالداخل.

نعود. يجلس في حفرته السرمدية. يشير بإحدى يديه مودعاً، بينما تطرأ في مخيلتي سمكة لم يبق منها سوى رأس وهيكل عظمي وذيل، ورجل عجوز ما زال يقاتل أسماك القرش كي يحظى بشيء من حياة.

*** نشرت هذه القصة بصحيفة الزمان بلندن في 25.03.2014

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *