مقالات - صحف عربية

حضور الذاكرة، حضور الغياب

283606119686

كثيراً ما نحاول استدعاء الماضي، ونعيش في عوالمه. وفي ذلك يقول علماء النفس بأن ذلك الاستدعاء هو حيلة دفاعية لا شعورية. أما الأدباء فقد اعتبروا حالة التداعي تلك أو ما يعرف بـ(فلاش باك) جزء مهم وحيوي في النصوص الإبداعية، حيث أنها تعطي النص رونقاً خاصاً، وسمتاً مميزاً. سيما وأن تلك الفلاشات هي ماضٍ قريب/ بعيد مرّ بخيره وشره فترك بصمة في نفسه من عاصرها، ليس على صعيد الكاتب فحسب وإنما جمهور القراء والمهتمين.

ولقد أشرت في مقالي الأخير بأهمية الكتابة، وتحديداً كتابة المذكرات التي سيكون لها تأثير في نفس المُلقي والمُتلقي. فهي ستعمل على إرفاد الكاتب الموهوب أو الهاوي في كثير من الأحيان على صقل مهاراته الكتابية، إلى جانب نقل جزء من خبرة أصحابها لنا مما سيثري ماهية الحقبة التي عايشها هؤلاء ووجهات نظرهم فيها. ودعونا ننظر لكتب التاريخ، حيث سنجد أن كثيراً من المعلومات التي وصلت إلينا كانت متواترة لتؤكد صحة أحداث بعينها في حين أنها لم تكن لتتضح لولا وجود أكثر من مؤرخ وكاتب تحدث بكل حيادية عن تلك الحقبة، فهل سنجد من يتحدث عن هذه الحقبة التاريخية، وعن المعاناة التي نعيشها بكل حيادية؟ وهل سيسجل التاريخ صورة الحاضر بروايات ونصوص إبداعية تطرح مشاكلنا لتصل إلى حلول؟

وبالحديث عن حضور الذاكرة، فإن ذلك الحضور هو ذاته حضور الغياب، فاستدعاء الماضي ليس بالأمر الهين أو السهل، لكنه يسهل إن تم تخزينه في أوراق الماضي، فالتوثيق أكثر متانة ودقة ووضوح.

ولقد سبق وأن دعيت لحضور حفل توقيع كتاب المؤرخ الفلسطيني سليم عرفات المبيض الذي يوثق يوميات المجاهد عبد الرحمن محمد الفرا، رئيس بلدية خانيونس في الفترة ما بين (1936- 1962) بدعوة من السادة بمركز القطان. فقد قام أبناء المرحوم الفرا بتقديم يوميات أبيهما في أجندات كان يخط بها كل جديد مدينة خانيونس للسيد المبيض، مما حذا بالأخير أن يعيد توثيق تلك المذكرات بأربع مجلدات (وهي في الأصل 25 أجندة) لتخرج إلى النور وترسم معالم المدينة بعيون أهلها، حيث أضحت تلك المخطوطات اليوم مرجعاً يحاكي قصة تطور المدينة جغرافياً وديموغرافياً، ويرسم ملمح بطولة خانيونس سياسياً، ويبرز المجازر التي ارتكبت بحق أهلها إبان الانتداب البريطاني وما تلاه من احتلال اسرائيلي لها. ويقول في حق تلك المخطوطات السيد سليم المبيض:” إذاً هذه اليوميات بمثابة كنز يفصح عن حقائق تاريخية مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني عامة ومدينة خانيونس وأهلها بصفة خاصة، طرح كاتبها من خلال العديد من القضايا الحزبية والسياسية والثقافية والاجتماعية وحتى الفولكلورية لسكان خانيونس وقراها من عادات وتقاليد في أفراحهم وأتراحهم وتكافلهم…”.

إن حضور الذاكرة  تاريخ، وإن ذاكرة الغياب حكايات بطعم القهوة لا نهاية لها، أبطالها أنتم ومن سبقكم يخطون تاريخهم، آلامهم، آمالهم، طموحاتهم، أحزانهم، ولن تنتهي تلك المذكرات عند أحد لأنها سيل من أدب جاء ليستمر باستمرار الحياة.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *