مقالات - صحف عربية

حيث لا تسقط الأمطار

لم أقرأ رواية “حيث لا تسقط الأمطار” لأمجد ناصر الصادرة عن دار الآداب عام 2010، لأن الحصار حال دون وصولها لقطاع غزة، لكنها أول شيء راودني بعد موجة البرد والمطر التي أصابت جسد غزة، فأنهكت قواه، وبانت سوأته. فغلاف الرواية وعنوانها يدفع ملهمي الكتابة للتحليق بخيالاتهم بعيداً عن الواقع وهو ما دفعني للبحث عن الرواية الكترونياً كي أعيشها، إلا أن انقطاع الانترنت عن المنزل بسبب العواصف المتلاحقة جعل كل محاولاتي تبوء بالفشل لأعود مجدداً لإتمام رواية “واحة الغروب” لبهاء طاهر الحائزة على جائزة بوكر الرواية العربية.

ورغم أن الأمطار لم تسقط في رواية ناصر إلا أنها سقطت بالفعل، وفي ذلك الوقت اختلف طعم الحياة، حيث موقد النار، المدفئة، التلفاز، الراديو، اجتماع الأسرة للاستمتاع بمشاهدة قطرات الماء وهي تطرق جدران وشبابيك البيوت، لكن ذلك كله لم يعد موجوداً في غزة اليوم بفعل الحصار الذي أدمى خاصرتها، وأغرق روحها بالماء فتقيأت الموت ولفظت الجنون لتنطلق من جديد في صناعة الحياة.

والثلوج التي حلت ببياضها ضيفاً ثقيل الظل على العتمة السرمدية لغزة وأهلها، جابت أيضاً دروب وخيام اللاجئين السوريين والفلسطينيين على الحدود الأردنية واللبنانية والتركية، فجعلت من الموت زائراً دائماً لهم ولأطفالهم، لنعود بذاكرتنا إلى الوراء إبان النكبة وهجرة الفلسطينيين الأولى عام 1948 إلى غزة وغيرها من أصقاع العالم، ينصبون خيامهم ليواجهوا الموت الزؤام، دون أن تتحرك مشاعر أي من قادة وزعماء العروبة المفترضين.

ففي عام الثلجة غرقت مدينة غزة ودير البلح ورفح بالثلوج التي كانت بحجم (علبة النيدو) حسب توصيف جدتي، إلى النوّة التي ضربت مخيم الشاطئ عام 89 حسبما أذكر، فجعلت بيوتنا متسعة للفراغ. وأذكرني يومها كيف كنت متدثراً حضن أمي كباقي إخوتي بينما كانت هي تبكي وتلح بالدعاء لله بأن ينجي “قطع اللحم من الموت”، وقد كانت تقصدنا في الوقت الذي حاول فيه أبانا تحصين الغرفة التي نقطنها من ولوج الماء الذي اقتحم المنزل دون إذن من أحد، تماماً كما هو الحال مع أهلنا البائسين بمنطقة بركة الشيخ رضوان ومنطقة النفق وحي الزيتون ومناطق أخرى تضررت بفعل المطر الغزير الذي سال في شوارع لا بنية تحتية فيها إلا ما ندر.

وبالعودة إلى عام النوّة تلك، فقد كنت طالباً بمدرسة العتيقة الابتدائية، حين ذهبت مع عدد قليل من الطلاب لنكتشف بأن فصول الدراسة قد أغرقها المطر، وأشجار الكينياء قد هُزمت أمام جبروت الريح حتى انشطرت إلى أرباع. يومها لم تنقطع الكهرباء عن غزة، فتابعنا شارع سمسم ومطعم أبو رامي والمطر يسقط في أزقة المخيم حتى أذاب أثر بساطير الجيش الغاصب ودخان الإطارات المشتعلة. ولعل الحال يومها مشابه بشكل كبير لما نحياه اليوم من أضرار بعد موجة “أليكسا” التي كانت ثقيلة الظل على المنطقة.

والسؤال المؤلم: إذا كان هذا حال غزة الصامدة بأبنية شامخة، فما هو حال السوريين على الحدود وفي مناطق القتال والعنف؟ وإلى أين سيذهب بهم التاريخ؟ ليطلق أمثالنا تنهيدة وفي عقولهم تترى الأسئلة: أين محمد الماغوط لنستمع ونشاهد كاسك يا وطن من جديد؟ أين زكريا تامر ليصنع لنا مدرسة جديدة في القصة القصيرة؟ أين حنا مينا مما يجري؟ وقد توارى هؤلاء العظام تحت ثرى دمشق وفي ألسنتهم لعنة على الأنظمة الحاكمة.

إننا أمام واقع عربي مؤلم وقاس، يقهر أبناءه ليصل بهم إلى حافة الهاوية، بينما تمطر المساء حممها على للضعفاء والبؤساء، فهل من نصير لهم؟

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *