مقالات - صحف عربية

رحلة إلى الحمراء

DSC01870

كمن يبحث عن الحب داخل وردة مجنونة، قررنا السفر إلى الحمراء، حيث مدينة الرب في بطن غرناطة المكلومة بأندلس بعيدة.

ففي أحد الصباحات الباكرة من عام 2011م، استيقظت مع عدد من رفاقي الجزائريين لحجز مقعد في جنة الحمراء (Alhambra)، وخرجنا نلهث خلف حافلة لا ندركها، فيقودنا مجنون إلى مكان آخر كي نلحق بحافلة جديدة، نقف طويلًا في انتظار جودو الذي لا يأتي، فنقرر ركوب سيارة متهالكة. نصل متأخرين، لكن الحظ يحالفنا بحجز تذكرة لدخول المكان بعد الثالثة والنصف عصرًا.

تلك الرحلة جاءت بعد مشاركتي في أحد مؤتمرات الإعلام الجديد في إسبانيا، فمن مدريد إلى غرناطة، تلك التي قرأتها وسرت في دروبها خلال رواية ليون الإفريقي لأمين معلوف، وثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، وهذا الأندلسي لسالم بن حميش. ولقد كانت تلك الرحلة تمثل لي زيارة للتاريخ والعظمة الإسلامية التي تهاوت بعد أن سلّمها أبو عبد الله الصغير للملكين النصرانيين إيزابيلا وفريناند. وهناك وقفت على موتي، كأني بكيت، كأن هذا البيت لي، فالشعارات التي تملأ المكان، و﴿ولا غالب إلا الله﴾ التي تزخرف الجدران، والأبيات الشعرية، والخطوط العربية، كل ذلك أعادني إلى الحالة التي كانت عليها الأندلس في الحقبة الأخيرة من زمن الصغير، وصوت أمه يصم أذني: “ابك كالنساء ملكًا لم تحافظ عليه”.

لقد بحثنا يومها في معالم الزمان داخل المكان، تذهلنا روعة المنظر من الخارج، تأسرنا، تبكينا، تضحكنا، تدمينا، تزلزلنا، إنه الحكاية وفصل البيان، إنه “قصر الحمراء”.

لقد ضاعت الأندلس حين غمرت الدنيا بملذاتها قلوب كبرائها، وحين صار همّ كل واحد فيهم أن يستأثر بالغواني والجواري والقيان والدور والأموال، ضاعت الأندلس حين فرط الأمراء والملوك بالكتاب، فاختلفوا واقتتلوا دون أن يلتفتوا إلى عدو يتجهمهم؛ فهانوا وصغروا حتى صاروا لقمة سائغة بيد الآخرين، واليوم تتهاوى القدس وتنتهك الحرمات وتغتصب النساء ويموت الأطفال والصمت حليف الأمة.

إن الجيل القادم المتمثل بشخص كل واحد فينا قادر على أن يكون ذلك الـ”صلاح” أو “المعتصم”، من خلال ما يملك من قدرات وملكات يستطيع تجييرها عبر الإعلام الجديد لحماية الدماء والأعراض والدور والأموال، فلسنا من نندب الحظ أو نبكي على الأطلال، فهل من تغيير؟

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *