مقالات - صحف عربية

سارة، سينما الواقع الغزي

أن تجلس لمشاهدة فيلم (سارة) في ختام مهرجان السجادة الحمراء بغزة يعني أنك أمام طفرة في الإبداع السينمائي الفلسطيني، حيث تسافر مع المخرج والسيناريست خليل المزين إلى واقع مرير يغص بالظلم والقهر جراء عادات وتقاليد بالية، وظروف اجتماعية قهرية، واحتلال يزرع العنف في كل ردهة من المخيم.
فيلم سارة قاس بما يكفي أن تتجرع معه العلقم، فهو يكشف عوار هذا المجتمع الذي لا يرحم، حيث يمارس سلطته على حساب المفهوم الإنساني، وكأن كلام الناس قرآناً، وكلام الناس كثير في مجتمع مُحاصر ليس لكثير من أفراده إلا القيل والقال. مجتمع يمنع الحب وينبذ الحديث فيه وفي تفاصيله، بينما يوغل في الكراهية والحزبية المقيتة، يمارس القتل دون رادع لأنه يندرج ضمن قضايا الشرف التي تمنح القتلة وساماً في مجتمع موبوء بأمراض الغابرين.
حملت رسالة الفيلم ثيمة واضحة من أن الحياة لا يمكن أن تكون طوباوية، وأن الخطأ أمر وارد وطبيعي، طالما أن الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم، ولكن –أسفاً- وقعت الأمة كلها تحت عين من لا يرحم حين أوغل الحقد والتكفير والتلويح بالنار لبشرية تحمل في قلبها المتناقضات، وصارت القلوب محتقنة والعقول منغلقة لا تريد إلا أن يعتنق الناس أفكارها، وصار الرجل الشرقي يشعر بالعار من خطأ هنا أو خطيئة هناك لا يرى فيها علاجاً إلا الموت.
الأحداث سارت بشكل درامي ملفت، استخدم فيها المخرج المزين عنصر التشويق بشكل جيد مع الموسيقى التصويرية التي كانت مصاحبة لمعظم أجزاء هذا الفيلم. لكن الأكثر جمالاً هو تدخل السيناريست بالفيلم وقطع العادي في الدراما إلى غير العادي، والانتقال للغوص في صناعة الفيلم ذاته داخل حواشي النص، وكأن في الفيلم هو فيلم آخر يُصنع تحت عين المشاهد، لدرجة أن قد يعتقد بعض البسطاء أن هذه هي فعلاً قصة الممثل نفسه، وما قد يزيد من اعتقاد الجمهور من أنها قصة حقيقية لهذا الممثل تحديداً أنه حمل ذات الاسم داخل السيناريو وذات الصفات أيضاً، وهو أمر غير دقيق البتة رغم أن القصة حقيقية كما تم الإشارة بذلك في بداية العرض. فالتأويل الببلوغرافي مرفوض خصوصاً في مثل هذه الحالة.
أصوات الطائرات وهي تدوي في معظم المشاهد، وتحديداً الطائرة بدون طيار (الزنانة)، صورة المخيم من أعلى، الأسقف الكرميدية والاسبستية، الأزقة الضيقة، ثم الحرب، ومشاهد الخوف والدمار والقنابل ثم تدمير برج الباشا جعل هذا الفيلم يأخذ بقلب المشاهد إلى الأحداث الدامية التي قسمت الوعي الفلسطيني وملأته بالنار؛ فالعدوان الأخير عام 2014 على قطاع غزة شكل عملية كي وعي غير مسبوقة، رغم أنه أيضاً شكل عملية كي وعي للاحتلال الإسرائيلي ومستوطنات غلاف غزة.
مشاهد الدمار وخصوصاً برج الباشا كان فرصة لاقتناص الخيال وصناعة حكاية جديدة داخل السيناريو، ليدفع بالمشاهد إلى الفكرة التي أراد السيناريست إيصالها للعالم من أن الحب قد يجابه بنار العادات والتقاليد من جهة، وبالدين من جهة أو الحرب والدمار من جهة أخرى. وأن غزة استثناء لأنها قد تجمع الأضداد بعضها ببعض داخل كينونة واحدة.
ربما كان هناك بعض ملاحظات التي تعمد المخرج خليل المزين، مدير مهرجان السجادة الحمراء بغزة وضعها داخل الفيلم بطريقة غير متوقعة مثل القطع المفاجئ للصوت في الأغنية وهو ستايل (Style) للفيلم ولم يكن عفوياً، لأنه يخدم فكره الفيلم، فغزة دائماً يتم فيها قطع الأشياء فجأة كالكهرباء والماء والحياة، وفتح المعابر والحدود فجأة ليقول أن كل ما يحدث في غزة هو قطع حاد وغير مرتب للأشياء. بالإضافة إلى استخدام الزوم (Close up) فقد كان ضرورياً لأن مبني علي فعل إنساني ومشاعر جياشة.
ختاماً فإن فيلم سارة الحاصل على العديد من الجوائز العالمية يمثل بارقة أمل حقيقية للسينما الفلسطينية في ظل هذا التطور التكنولوجي الهائل وتوفر أدوات الإنتاج والإخراج العالمية على هذه الأرض التي تستحق الحياة.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *