مقالات - صحف عربية

صناعة النجاح

SUX1815.TIF

تحدثت ذات مساء إلى أحد أبناء عمومتي، وهو طفل صغير لم يتجاوز العشرة أعوام، وكانت لغة الحديث بيننا هي الانجليزية، وقد شعرت بتفوقه على كل ما تعلمته في الجامعة، من حنكة وطلاقة وقوة تعابير ولغة عامية إنجليزية نفتقدها أحياناً في لغتنا الأكاديمية. فأذهلني بكل ما يمتلكه رغم نعومة أظفاره، لذلك سألت أخاه الأكبر عن كيفية اكتسابه لتلك اللغة رغم أنه لم يسافر لأي من الدول الناطقة بتلك اللغة، فأجاب باختصار: إنه يشاهد الرسوم المتحركة باللغة الانجليزية يومياً، ولذلك فقد تأثر بها وأصبح لديه القدرة على الحديث بتلك اللغة.

مثل هذه الحالة، خير مثال لتأثير التكنولوجيا على سلوكيات الأطفال، فقد تكون إيجابية في صياغتها للعقل العربي ولغته وأسلوبه وقد تكون سلبية أيضاً. وهو ما يدفع دوماً بالمتابعة والاهتمام بتأثير التكنولوجيا على عقول الأطفال الواعدين.

وليس معرض الحديث هنا هو تأثير العولمة على العقول العربية، بما في ذلك التكنولوجيا والإعلام الجديد وغيره، وإنما آليات اكتساب المعرفة والثقافة واللغة. حيث أنه لا يمكن للعقل العربي أن ينهض بغير الإرادة والتوجه نحو صناعة الإنسان، لذلك كان من واجب المؤسسة الرسمية والمؤسسات الأهلية، النهوض بالعقول العربية، وليس تنفيذ أنشطة وفعاليات لا غاية ترجى منها، سوى إبراز مدى تفاعلها على الأرض من أجل تقرير نهاية العام، ودون النظر إلى الهدف الكبير والسامي الذي يغيب بسرعة مع وجود المؤسسات الدولية المانحة، حيث أن الأخيرة تعمل على تمويل ودعم الأنشطة التي من شأنها أن تخدم مصالح الدول الممولة ذاتها وفق رؤيتها وأجندتها التي قد تتعارض مع عادات وتقاليد المجتمع. وعليه، يجب أن يكون هناك رؤية حقيقية وإرادة وعزيمة قويتين بالخروج من حالة التبعية إلى صناعة الثقافة المستقلة، والتي لا يمكن لها أن تنشأ في ظل مناهج وخطط تستند في مجملها على التقليد، دون مراعاة بيئة وثقافة المكان والزمان.

ولعل النصيحة التي ننطلق دوماً من خلالها، هي أن تعود الأسرة إلى صناعة الطفل القويم والسليم من خلال الارتقاء بمستوى الأبناء الإنساني والفكري والتعليمي والوجداني والخيالي، وعدم اصطناع المشاكل أمامهم، أو دفعهم للتأثر بما تعانيه الأسرة من أزمات تحت أي ظرف، لأنه سيدر الوبال على الطفولة التي تعاني أصلاً من أزمات في دولنا العربية المكلومة. وهي دعوة للأسرة بعدم التراخي في الدفع بتعليم الأبناء، فمن يتعب صغيراً سيرتاح فيما بعد، لكن من يفعل العكس، لن يرتاح أبد الدهر، وحري بكل أسرة ألا تأخذ بأطفالها نحو الهاوية، حين تقرر إيقافهم عن الدراسة، خصوصاً في المراحل الدنيا، نظراً لعدم قدرة تلك العقول على مجاوزة المناهج الظالمة والتي لا يرعوي صانعيها عن دراستها بعد هذه السنوات من الفشل، وعلى المدرسين والأكاديميين الرأفة والرحمة بعقول الأبناء، حيث لم تعد جيوب الآباء قادرة على دفع المزيد للدروس الخصوصية.

إن الإنسان العربي بحاجة للنهوض بمن معه في السفينة للوصول إلى الحرية الحقيقة من خلال التخلص من براثن الليبرالية العالمية، والصعود مرة أخرى إلى قيادة الأمة، وكل ذلك لن يتأتى إلا بالعودة إلى الله والإخلاص الحقيقي في العمل، ثم الدفع نحو تعلم اللغات الأجنبية والاستفادة من تجارب أهلها، فالحكمة ضالة المؤمن. ثم التركيز على الجانب العلمي وتوفير المختبرات ومراكز الأبحاث بدلاً من إهدار المال فيما لا ينفع من مهرجانات وفعاليات لا قيمة لها على الصعيد العملي. وختاماً الاستفادة من التاريخ والقراءة المعمقة لحوادث الزمن الذي ربما لا يعيد نفسه، ولكن أحداثه تتشابه، فنكون عندها –على الأقل- قادرين على تحديد المشاكل وآليات تلافيها والخروج منها بسلام.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

2 Comments

  1. أحمد محمود says:

    مقال رائع كالعادة، وبصراحة أنا أتابعك بشكل دائم
    على فكرة مقالاتك تصلح لكل الاجيال ولكل الاوقات وهي مفيدة للابوين
    شكرا لك

    1. أشكرك أخي الكريم
      دمت بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *