قصص قصيرة

صورة

ضوء خافت يلوح في البعيد مع الصورة التي غطتها الظلال. أنوار باهتة تتمنطق جمالها، تحاول الخروج بصورة غير تلك التي هي عليها الآن.

داخل تلك اللوحة خمسة من أشباهي، يتمددون في انسجام تام مع الكاميرا، ينصهرون في أريجها، يرفع بعضهم يديه إلى سماء لازوردية باهتة، آخرون ينبسطون مع ابتسامة خرجت فجأة حيت تفوه أحدهم بكلمة (تشيرز) ليظهر وجهه المشرق مرة أخرى. ذلك الغريب الذي يتوسطهم، يتوسط قلبي الآن. أتأمل اللوحة من جديد، أحدق فيهم جميعاً، والوجوه تقبع في ذاكرة المخيم.

يومها رأيته غريباً ولم يعن لي أي شيء، طلب مني أخي أن أطلق صورة الرحمة التي ستحفظ ما بقي من أعمارهم، وفعلت، طلبت منهم الابتسامة لعدسة الكاميرا، ابتسموا، ضحكوا، تشيرز، ألتقط الحدث. لم يكتف أخي بتلك الصورة فطلب مني بأن ألتقط له أخرى مع ذلك الغريب، لهما وحدهما فقط، يحاصرهما ظل المكان الموجع، لكنني كنت بخيلاً، أو كأن الكاميرا قد أفرغت ما بجعبتها من جنون التهام الوجوه. أخبرتهم بأن تلك الصورة هي الأخيرة في غلاف الموت، و ذهبت، غادرتهم كما غادروني جميعاً الآن. انطلقت أصفع الهواء بوجهي، خرجت أهيم في طرقات باتت غير تلك التي استوطنت قلوبنا حينذاك، خرجت كسرب تائه عن حتفه وسرب المشاهد يلوح كطيف في مخيلتي النائمة. أعود مرة أخرى إلى أشيائي، أنقبها، أبحث في طياتها عن حزن جديد. أفتح الألبوم، ذلك الذي أهداني إياه أحدهم، أحدق بالصورة جيداً، أتأمل تقاطيع الوجه، الوجوه، صوت أخي الرخيم يجوس في قلبي، يخبرني:

– هذا محمد.

ولم أكن أدرك من محمد هذا، لم ألق له بالاً، لهم، لهذه الوجوه التي سافرت مع طيف الانفجار.

أفتح تفاصيل الماضي، بخيره وشره، أرسم دموعاً انبجست مع سنوات بائدة. حين مات أخي بكيت، بكيت كما لم أبك من قبل، أخي لم يمت، كان شهيداً يرسم الدرب بدمه لكل من خلفه، … لحظتها هاجت حارتنا، ماجت وأصبح العويل في كل ركن من زوايانا المهدمة، هللوا، كبروا، زغردت النسوة بشهيد الحق المبين، هتف الرجال بروحه التي أعلنت موعدها الأخير مع البقاء. وبعد لحظات قصيرة ولج الصمت بيوتنا، أصبح شعارنا في هذه الدار المهدمة، ذهب أخي دون وداع، ترك لنا هذه الصورة، والأربعة الآخرون يذوبون واحداً تلو الآخر، فقط ذلك الوجه المتجذر قيعان الأرض وعنفوان الحكاية، (محمد) مساحات الألم الشاسعة تطل من عينيه. كمستوطنة بقيت فوق قلوبنا، بقيت صامتاً معه، جاء مع المعزين إلى دارنا، جلس إلى جواري، صمت كأنه الموت، وبعد الصمت جاءت عاصفة الكلام. تحدثنا كثيراً، تهنا في قرارنا، هذونا على أعتاب الحياة، جلنا في أحلامنا كيف نشاء وخرج.

ساعات قليلة تلك التي مضت على فراقنا تبعتها أصوات انفجارات قديمة تئن مع صقيع المخيم، خرجت ووسائل الإعلام شرعت في إعلان الخبر، المذياع يتغنّى بالخبر العاجل، استشهاد محمد الغزاوي. ينتشر الخبر في فضائنا السحيق، تنتشر أشلاؤه في محيط المستوطنة، حزيناً حتى الموت، حتى الظمأ، وتنتهي الحكاية.

***

هل كان لي أن أصدقه؟ أن أصدق الآخرين قبله؟ وأين أنا من الصورة؟ لماذا لم أكن معهم؟ لماذا لم أكن بينهم؟ أسئلة تطن في رأسي الآن، أتيه في أعماقها. ليتني كنت داخل تلك اللوحة، ليتني. ليتني…

كم أفتقدهم، أفتقد أخي الكبير. ها هي دموعي تغافلني خلسة وتطفر بجنون، ها أنا أتأملهم للمرة الألف…

تنزف الذاكرة على أعتاب خوفي، أتأمل الوجه، الوجوه للمرة الأخيرة، وقبل أن أخرج من بيتي أحرق تلك الصورة، الحكاية، دون قرار بالعودة.

ودون أن أعود ….. .

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

1 Comment

  1. منى says:

    راااااااااائعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *