مقالات - صحف عربية

عالم سمسم

kids-painting

استشاطت زوجتي غضباً، واعلنت عن سلسلة عقوبات صارمة بحق أولادي المتمردين على سياسة المنزل العامة، فقد فوجئنا ذات صباح بأنهم سبقونا إلى الحياة واستيقظوا، يمارسون الضحك والكتابة على الجدران. يرسمون بالطباشير والألوان التي اشتريتها لهم للرسم على الورق الخاص بالاسكتشات.

ففي الوقت الذي غضبت فيه زوجتي، كنت ابتسم وأحاول أن أهدئ من روعها، رغم الطلاء الجديد وما لحق به من أضرار مادية، لأنني آمنت بثورة الأطفال على عالمنا التقليدي المميت، ولأنني ما زلت أذكر جنوني حين كنت صغيراً أمارس هواية تفكيك الألعاب ومحاولة اصلاحها، فكانت انتفاضة والديّ تقتل طموح الابتكار الذي مارسته ضد معظم الألعاب الالكترونية في حينه، فلم أرحم أي لعبة من شريّ، ومع المساء تكون تلك الألعاب عبارة عن خردوات غير قابلة للحياة. ولذلك قررت أن أترك أولادي يمارسون حياتهم بالطريقة التي يرونها مناسبة، ولكن ليس على الجدران، وإنما على الأوراق البيضاء التي سهرت ليلة كاملة برفقة زوجتي لإلصاقها بغرفتهم كي يقوموا بالرسم عليها، وكتابة كل ما يحلو لهم، إلا أنهم تجاوزوا الأوراق ووصلوا إلى صالة المنزل، لم أغضب ولن أفعل لأنهم بفطرتهم السليمة مارسوا ما يعتقدون أنه جزء من الترفيه الغير موجود في بيئتنا المحاصرة. بل قررت شراء كميات كبيرة من الورق الأبيض للرسم عليه كلما راودتهم أفكار جديدة.

هذه حالة من حالات كثيرة موجودة، نتعامل معها بقسوة –للأسف- فنقتلها بدلاً من أن نعززها ونطورها، ولذلك فهي رسالة لكل أب وأم ومدرس ومسؤول بأن هذه الأفعال التي يقوم بها أطفالنا، إنما تنم عن ذكاء وهمة وموهبة قد يندر وجودها، كما في حالة ناجي العلي واسماعيل شموط وكامل المغني وفتحي غبن وغيرهم. وإنه من الواجب على كل فرد أن يعزز تلك الشخبطات والخربشات بتوفير الأوراق أو السماح للأطفال بالكتابة والرسم على جدران غرفة معينة أو لوح معين، فكل ذلك سيدفع بنشوء جيل جديد واعد، طموح، وقادر على صناعة الفن والأدب والسينما وغيرها. ولقد أسعدني كثيراً أن أتابع مع زميلي الفنان التشكيلي هيثم عيد انتفاضة الجداريات بعد العدوان الإسرائيلي على غزة نهاية عام 2008، حيث كنا نشارك الفنانين ونستضيفهم للبحث في خلق بيئة تضج بالجداريات التي تدعم مشروع ثقافة المقاومة وتعزيز السلوكيات الإيجابية من خلال برنامج (قيمي حياتي)، وغيرها من الجداريات التي ملأت شوارع القطاع، بأنواعها الجرافيتي والنحت والموزاييك، حيث كان لتلك الجداريات بالغ الأثر في استقطاب المناصرين لقضايانا العادلة.

الرسم على الجدران والخربشة على الأوراق وتمزيق الدفاتر والأوراق لصناعة هيئات وأشكال معينة موجودة بمخيلة الطفل خطوة نحو تحقيق الذات، وخطوة نحو صناعة الإنسان الناجح والمبادر. لذلك فهي نصيحة أهمس بها لكل راع ومسؤول عن رعيته أن رفقاً بالأطفال، ومعاً لإنجاح عالم سمسم.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *