مقالات - صحف عربية

عن الثقافة والمثقفين

313241_275340719182466_104224996294040_669073_1290892896_n-600x450

كلما جلست إلى نفسي وفكرت فيما سأكتبه، وجدت أن هناك الكثير الكثير ليقال، ولكن يبقى السؤال: هل هناك من يسمع؟ وإذا كان هناك من يسمع ويعقل أيضاً، فهل هناك من يطبق؟

إن المفكر والمثقف والمبدع، والذي هو أول من يقاوم وآخر من ينكسر كما يقول الشقاقي رحمه الله، ويتمثل دوره في إذكاء العقول والعمل على تنويرها وتبصيرها بجادة الصواب، صار مرهوناً لولي النعمة، بل زيادة على ذلك تحول من منظر للفكرة إلى منظر للسلطة، وتحول من ثائر يسعى لتحرير العقول من براثن التبعية إلى مجرد شخص بيروقراطي يسعى للحصول على امتيازات الطبقة الأرستوقراطية، وهو يداهن بذلك الحكام من أجل الوصول إلى تلك الغاية، التي جعلت منه مجرد حجر دومينو في رقعة الشطرنج.

والمتابع للمشهد الثقافي العربي، سيكتشف كم هو محزن الوصول إلى تلك الحالة الواهنة التي وصل إليها من يعتقدون بأنهم وحدهم المثقفين والمفكرين، وما سواهم مجرد مستثقفين لمجرد أنهم يخالفون طواغيت كثير من الأنظمة الفاشية التي تبسط يدها على مقدرات الأمة منذ عقود. بل وزيادة على ذلك يشن من يعتقدون بأنهم مثقفين أو مفكرين أو حتى مؤرخين على من يخالف هوى تلك الأنظمة حتى ضجت بوجوههم محطات التلفزة والإذاعات التي تتغنى بأمجاد الزعماء. متناسين رسالتهم السامية التي كان مناط بهم أن يؤدوها كمن سبقهم من أرسطو وصولاً إلى ابن رشد إلى مفكري الحداثة اليوم كمالك بن نبي وآخرين. وهؤلاء أنفسهم هم الذين تتغير وجوههم مع تغير الأنظمة وموت بعض الحكام.

وإن معسكر هؤلاء المثقفين يعادي كل ما يخالف رأي الزعيم، مشككين بحرية وديمقراطية من يسعون لصناعة الديمقراطية الحقيقية. وإن من المخجل أن تجد هؤلاء يطبلون لهذا المفكر ثم ينقلبون عليه بعد فترة لأنه أعلن ولاءه للثائرين من أجل نيل الحرية.

للأسف، هؤلاء مع الحرية والديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي الذي يتفق مع آرائهم ورأي ولي نعمتهم الذي يسول لهم أن يقولوا ما يريد. أما ما يخالفهم من مواقف وآراء فإنها آراء خائنة ومشكك في وطنيتها، لذلك وجب قمعها –حسب رأيهم- حتى لا تسقط أشرعة الديمقراطية المفترضة، كما يجري حالياً في بعض البلدان العربية.

ولقد نسي أو تناسى هؤلاء ما قاله فولتير ذات يوم من أنه على استعداد بأن يقدم روحه من أجل أن يسمح لمن يخالفونه من التعبير عن رأيهم بحرية. وقوله:” ما رأيت شيئاً يسوق الناس إلى الحرية مثل الطغيان”.

ولذلك، فإن الديمقراطية ليست على مقاس هؤلاء الذين تضج بوجوههم الفضائيات ليل نهار، مهما اتفقنا أو اختلفنا معهم، وإنما من يقبلون بالرأي والراي الآخر ويسعون لتعزيزه، لا أن ينقلبوا عليه مشككين من أنه قد لا يمارس الديمقراطية فيما بعد. وهؤلاء حتماً سيلفظهم التاريخ وسيبقى الأحرار.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *