يوميات مسافر

غزة التي تدمينا، فنعشقها أكثر

من أي طينة جبلت هذه الـ(غزة)، وبأي ماء عجنت، ألا تكف عن مقارعتنا، ترويعنا، قتل أحلامنا، حتى تجعلنا عبيداً لغيرها…

كانت هذه الكلمات جزء من مشروع (نص) قررت أن أكتبه بعد أن تأكد لي بأنني لن أنجح في السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من البلدان الأوروبية لتمثيل بلادي في برنامج الأمم المتحدة لتحالف الحضارات 2012، لكنني وبعد أن نجحت، سأكون رفيقاً بهذه الـ(غزة)، المجنونة، لأنها في النهاية، إرادة الله من اختارتنا كي نتخلق في أحشائها، ورسمت تعاريج حياتنا بالصورة التي تريد.

مساءً، وبعد عودتي من مركز رشاد الشوا الثقافي، وحصولي على جائزة الكاتب الشاب في مجال القصة القصيرة، قررت أن أمارس رياضة تصفح المواقع الالكترونية عبر جهاز (اللاب توب) الخاص بي، وفوجئت برسالة تهنئة من الأمم المتحدة لتحالف الحضارات -التي كنت قد أرسلت لها طلبي للمشاركة في برنامجها قبل أسبوعين من تاريخه- ففتحتها متلهفاً، وكانت الرسالة تحوي كلاماً مطولاً حول البرنامج، وعن اختياري مبدئياً للبرنامج، مع الطلب مني بإرسال رقم هاتفي وتحديد موعد للمقابلة عبر الهاتف، على أن تكون بعد الساعة العاشرة بتوقيت نيويورك. وبالفعل، قمت بإرسال الهاتف للمقابلة في اليوم التالي (يوم الجمعة)، وتم التواصل معي وكان حديثاً مطولاً عاتبت في بدايته تأخر المنسقة عن عدم الاتصال في الموعد المحدد، لتخبرني في نهاية حديثها الدافئ بأنه سيكون أسبوع المفاجآت لي، وبأنني أعتبر نفسي منذ اللحظة واحداً من 12 شخصاً سيتم اختيارهم للمشاركة في البرنامج من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ولأنني من غزة، التي تخلو من السفارات والقنصليات، بدأت أتواصل مع الأصدقاء لمعرفة آلية استخراج فيزا أمريكية، في ظل وجود سفارة أمريكية في القدس، تسبقها الحواجز والكمائن، والرفض الأزلي للشباب الفلسطيني لدخول الأراضي المحتلة، وغيرها من المعيقات، وبعد التحري والاستفسار والبحث، قررت الحجز للمقابلة في السفارة الأمريكية بالقاهرة، وجالت بخاطري جملة من الأسئلة: ما هي الطريقة، وكيف يمكن لي الحجز؟ ووو.. فحاولت الإجابة على تلك التساؤلات ممن سبق لهم السفر إلى الولايات المتحدة، لكن للأسف، تبين لي صلف البعض، وغيرة وحسد وكراهية آخرين، بعضهم حاول ثنيي عن مواصلة مشروعي بكل السبل، لأن استخراج فيزا لأمريكا صعب للغاية وما إلى ذلك من حديث أجوف، انهار أمام الفتاة الأمريكية الحسناء داخل السفارة في القاهرة.

ولعل المعضلة التي واجهتني أثناء ذلك، بأن الرحلة كانت رحلة مشتركة (بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا) ولا أستطيع الذهاب إلى قارة دون الأخرى، لذلك كان يجب عليّ أولاً أن أحصل على فيزا (schengen) ملتي (متعددة الدخول)، لأنني سأذهب إلى عدد من الدول الأوروبية وليس إلى دولة واحدة، رغم أنه لا يتوفر لدي وقت كاف، فكيف أفعل؟!

في تلك الفترة، ما زاد من تخوفي أن المنسقة أخبرتنا بصلف أن تكاليف الفيزا على نفقة المشتركين، بالإضافة إلى تأمين السفر، وكنت أظن بأن التأمين مكلف للغاية، لأن جميع رحلاتي السابقة إلى أوروبا كانت مغطاة من الجهات الداعية ولم أقم بالتأمين من قبل. المهم في الأمر، أنني أبلغت صديقي الكاتب أكرم عطالله ونحن في سهرة مكللة بالعتمة، بأنني سألغي فكرة السفر فأنا أشعر بالإحباط، تحديداً من الحصول على فيزا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. لكنه رفض ذلك، وأخبرني بأنني قادر على فعل ذلك، كما طلب مني الذهاب لأي مكتب تأمين لمعرفة تكاليف تأمين السفر، وهو ما حدث بالفعل، فاكتشفت بأن المبلغ لا يتجاوز الـ50 دولار. وهو ما عزز لدي العزيمة أن استمر من جديد.

صبيحة اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب الممثلية الألمانية بغزة، وكانت مقابلة استطعت فيها أن أثبت لنفسي بأنني قادر على اجتياز أي مقابلة فيما بعد، فأبلغت الموظف بأني أمتلك ثلاثة فيز (schengen) من قبل، وإنني يجب أن أحصل على الفيزا بسرعة لأنني يجب أن أذهب إلى مصر لمقابلة السفارة الأمريكية هناك، وفي ذلك الوقت تحديداً، تواصلت مع صديقي الروائي والقاص المصري الجميل محمد سامي البوهي، الذي قام بمساعدتي في معرفة كل ما تحتاجه الفيزا إلى أمريكا، وأخبرني بأنه على استعداد أن يواصل المشوار لولا شعوري ببعد سكناه عن القاهرة والأمر سيكون مرهقاً للغاية عليه، فتواصلت بعد ذلك مع ابن عمتي (شادي) الذي يعيش ويعمل في القاهرة بأن يحجز لي موعد مع السفارة الأمريكية، وقمت بتحويل المال له على وجه السرعة، وبالفعل تم الحجز في 18/04/2012، وانتظرت جواز سفري، وكنت في تلك الحقبة متوتراً، دائم التفكير لأنني يجب أن أحصل الفيزتين بزمن قياسي وهو شهر، وقبل الموعد بأيام، تواصلت مع الممثلية الألمانية برام الله وأبلغوني بأنه من غير الممكن حصولي على الفيزا قبل 18 إبريل، فتواصلت مع ابن عمتي لتأجيل موعد المقابلة، وتم التأجيل ليوم 22 إبريل، وقبل الموعد بأيام تواصلت مجدداً مع الممثلية الألمانية في رام الله فقالوا بأن الاحتلال الإسرائيلي احتجز البريد لأكثر من أسبوع ولم يصلهم إلا صبيحة ذلك اليوم، وطلب مني موظف السفارة الاتصال بعد نصف ساعة، إلا أنه وبعد ثلث ساعة هو من عاود الاتصال بي وأبلغني بأنهم يريدون مساعدتي بكل السبل وأن ملفي موجود أمام مسئولة المكتب هناك (بيرجت موسنج)، لأن برنامج الأمم المتحدة تشرف عليه الخارجية الألمانية إلى جانب جامعة الدول العربية، فأعطاني عدة خيارات، أولها أن يعطيني فيزا إلى ألمانيا فقط، وآخذها بعد يومين، أو أن يرسل لي جواز سفري وبعد استخراج الفيزا أرسل له جواز السفر من القاهرة، وأكون حينها في مصر وحصلت على الفيزا الأمريكية، أو أن انتظر حتى تستخرج الفيزا بعد عشرة أيام، وأنا قررت الانتظار، وطالبت ابن عمتي في مصر بأن يؤجل لي الموعد مرة أخرى، ولو حتى قبل السفر بيوم واحد، لأن ما يهمني أن أقابل السفارة، فكلي ثقة بأنني أمتلك الحجة التي تدعم موقفي وتمنحني ما أريد. وبالفعل تم تجديد الموعد لمقابلة السفارة الأمريكية في 30 إبريل (بالعافية وطلوع الروح)، فحمدت الله كثيراً على ذلك، لأن أحدهم فيما يبدو قام بتأجيل موعد مقابلته ليفسح لي مجالاً كي انجح في مهمتي تلك، فاعتبرت أن ثلاثة أيام تكفي.

أيام قلائل حصلت فيها على الفيزا (schengen) فحملت أمتعتي واتجهت ميمماً صوب القاهرة، وهناك اعتبرت أن رحلتي فقط إلى القاهرة، لأنني خشيت عدم نجاح مهمتي فقررت الاستفادة من كل دقيقة أمتلكها في أم الدنيا، فزرت الأهرامات وعدد كبير من الأحياء الشعبية، ومجموعة من المؤسسات المدنية، ونقابة الصحفيين وغيرها إلى أن جاء يوم المقابلة.

السابعة صباحاً من يوم الاثنين 30 إبريل 2012.

طابور طويل يفصلني عن بوابة السفارة الأمريكية بجاردن ستي بالقاهرة، أقف متسمراً، أمشي ببطء إلى أن أصل البوابة، وبعد فحص الأوراق والبيانات، أسأل الموظف عن الصورة فيخبرني بأنها ذات حجم أصغر من المطلوب (الأمر الذي تطلب منه غمزة لأحدهم، فأذهب معه في الحصول على أربعة صور بـ25 جنيهاً)، رغم أني اكتشفت فيما بعد بأنها تصلح للفيزا، لأنه تم اعتماد الصورة الكترونياً بعد تعبئتي الطلب من قبل. المهم أنني عند الساعة الثانية مساءً تجمدت أمام الشباك بعد أخذ البصمات وما إلى ذلك، وكنت قد تعرفت على شاب مصري لطيف أثناء الطابور سيسافر إلى أمريكا أيضاً، ولأنني كنت أسمع صخب وضحك الفتاة الأمريكية التي تقف على (شباك رقم 9) قررت أن أتوجه نحوها، فطلبت من صديقي المصري أن أذهب بدلاً عنه حال فراغ شباك رقم 9، فرحب صديقي بذلك، وما هي إلا لحظات حتى تم المنادة لشباك رقم 12، فذهب وانتظرت، ثم تم المناداة على شباك رقم 9، فسررت كثيراً لكنني حين وصلتها ارتعبت، تجمدت أوصالي، لأنها تجهمت بعد أن نظرت في جوازي الفلسطيني الأسود، ثم أشارت لزملائها بجوازي كاستفهام نحو أمر ما، ثم تحدثت معي بعد ذلك بلا ضحك أو غنج، فقررت التحدث بكل جرأة وقوة، ونجحت، أقسم بأني جعلتها تعشق كل كلمة تخرج مني، لدرجة أنها تحدثت معي لأكثر من ربع ساعة، أخبرتني بأن زوجها الإيطالي يحب الأدب، و..و..و، ووعدتني بأن تطبع لي الفيزا يوم الأربعاء وأن أحصل عليها الخميس أي قبل سفري بيومين، وصدقت كعهد هؤلاء فيما يقولون. وحين حصلت على الفيزا يوم الخميس 3 مايو 2012، كما فوجئت بأن الفيزا صالحة لمدة ثلاث سنوات، وليست لمدة البرنامج فقط كما التشنجن، فسررت، وطرت فرحاً حتى قررت أن أتفسح (نزهة) إلى نزلة السمان والأهرامات، وركبت الخيل بعد توصيات إياد الغول، صديقي وابن عمي الجميل، وتورمت قدماي ويداي، وذهبت يوم الأحد إلى المطار وجسدي ما يزال يئن من الألم. لكنني أعترف لكم الآن أنها كانت نزهة جميلة رغم كثير من المعاناة في حياة القاهريين الذين اخترقوا الذاكرة بهدوء.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

6 Comments

  1. احمد غانم says:

    ما اروعك

  2. مريم خضر says:

    أنت رائع و تستحق الحير دائما
    ما بنقدر نقول غير نحبك يا غزة الاسلوب رائع لسرد هذه الرحلة الجميلة انت رائع
    اتمنى لك كل الخير و التوفيق

  3. Fady Temraz says:

    الأمرُ ليس بغريب …..لوكان غريباً لكُنت إلى هذه اللحظة مُدرساً للغة الأنجليزية!!
    فمتى نقرأُ منك الكلمات حين ترسم…. الوجع بدمع لوحةٍ من مطر وتمضي مع هزيم الرعدِ في لحظة موت تُغني مع طيف العبير وألم البُعد مُسافرٌ أنت في بقاع الأرضِ لكنك تعلمٌ يقيناً بأنها”قلبُ الأُم ورضاها وعين الله من ترعاكَ ^_^
    وفقك الله لما يُحب ويرضى،،~

  4. الاء الهباش says:

    ومن رحم غزة .. ولدنا .. وغرست فينا محبتها ..

    يبدو أنها رحلة جميلة رغم مواجهتك لبعض الصعاب .. لربما جعلتها أجمل في الانتظار

    أتمنى لك مزيدا من الرحلات والاثارة

    ^_^

  5. Raz says:

    رحلة جميلة بوصف أجمل ما شاء الله ،، مزيدا من الرحلات والمغامرات

  6. أمل أبو عاصي (اليازجي) says:

    لا يمكن للمحب أن يجفو حبيبه، مهما نأت بك الليالي فلا بد أنت عائد لأنها غزة ومن مثلها ! رغم ما بها مما بها لكنها تبقى غزة ،، أسأل الله العظيم لك خير الدنيا وصلاحها وخير الآخرة وعاقبتها ، تقديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *