مقالات - صحف عربية

غزة من انتعاش في الكهرباء والوقود إلى انتعاش في المياه،، والمواطن يغرق

…  والبحر في غزة تمده سبعة أبحر، وأنابيب المياه المرتبطة ببحورنا لا تصل لشاطئ النجاة، ولا حتى لمخيم الشاطئ الذي يعج بالقادة والأمراء، وأذكرني يوماً قد عدت من عملي منهكاً، خائر القوى، أبحث عن الراحة في وجبة حماّم ساخنة، ولم أجد، وبقيت وعائلتي ننتظر فك طلاسم انعدام المياه في مخيمنا لأكثر من شهر، وكنا في حينه ندعو الله أن يرزقنا بالماء، أي ماء، حتى لو كان من أنابيب البحر المملح بقاذورات المخيم، لأن رائحة النتن غطت مخيمنا، بيوتنا، أجسادنا لدرجة أن بات الإنسان لا يعرف مصدر تلك الروائح. فكانت الأحلام كل لحظة تراودني، وأتساءل بيني وبيني: هل جاءت المياه اليوم؟ ربما، وحين أعود أكتشف بأن تعاويذ العجوز لم تبطل مفعول طلاسم شح المياه، وأحلم، والحلم يصير حلماً آخر أشد حلكة من أحلام يوسف في البئر.

ولعلي هنا لا أستطيع أن ألوم أحداً، فالحصار هو السبب، وهو ما يدفعنا أن نقعد مع القاعدين، والاحتلال الذي يحاصرنا يطرب لأننا ننتظر حل المعضلة من السماء، بانتظار المهدي عليه السلام، الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

وأمي التي تدعو كل لحظة، لا تنفتح لها بوابة السماء، ولا يستجاب الدعاء، فتدعو أمي مجدداً (على كل ظالم وابن حرام) وتظل تدعو وتدعو حتى تصاب بحالة من الهذيان، وتصير ملابس عائلتي تتنقل من بيتي إلى بيت أخواتي المتزوجات إلى بيوت أخرى لأن العفن تلبسها، والغسالات تكلست كالأسنان لأنها لا تجد ريح الماء، حتى بدأت تفكر أمي جدياً بعرضها في مزاد علنيّ على ناصية شارعنا كباقي نسوة بلوك 2 في مخيم الشاطئ.

أما أبي، فهو صامت صمت الجنون، وحين نطلب منه أن يطالب المسئولين، يقول بهدوئه المعتاد: بدها شوية صبر؟ ، ثم متابعاً: هذا قدرنا، ولنا الجنة بإذن الله.

وأنا الذي أقطن بعيداً عن عائلتي ما زلت أحلم بأن يمن الله علينا بتحرير الكهرباء والوقود والمياه وإطلاقهما إلى طريق النجاة، فأنا حين أتذكر كيف كانت معاناتي عندما كنت أقطن البحر، فلا ماء ولا ما يحزنون لمدة ثلاثةٍ وثلاثين يوماً أبكي على الناس في هزيع ليلنا الأخير. وكي نتآزر جميعاً مع أهلي، فقد صار هاتفي المحمول مزاراً لزوجتي وأولادي للاطمئنان على صحة المياه في مخيم الطفولة، وعلى بيوت الجيران الذين قضوا جراء الروائح المفعمة بالحيوية، ولقد أسرَّت لي أمي بخبر خطير، حيث صار دخول الحماّم يحسب له مليون حساب، مذكرةَ إياي حين كنت بألمانيا كيف كنا ندفع 2 مارك لدخول الحمام عبر تلك الحلابات، وكأننا نتطور اليوم حتى في آلية دخول الحمام وليس فقط الفيس بوك وتويتر.

لعلي مضطرٌ أن أقولها لأبي الآن، بأننا لسنا بحاجة لأن نصبر على شح المياه حتى ندخل الجنة، بينما ينعم الكثيرون في جنة الدنيا بكل متطلبات الحياة بانتظار ولوج جنة الآخرة.

وإنني من خلال هذا النص المجنون كصاحبه أطالب بلدية غزة بتحمل مسؤولياتها تجاه المواطنين الذين لا يجدون المياه منذ أكثر من شهر في مخيم الشاطئ، بلوك 2، كما أطالب القادة والمسئولين و(كل من عندهم دم) في غزة بالعمل على حل تلك المشكلة رغم سرقة المياه الجوفية التي تنتهجها إسرائيل كعادتها دوماً.

أبي، أمي، أهلنا في مخيم الشاطئ، بلوك 2، أهلنا في الضفة العطشى أيضاً، وكل البقاع التي لا تجد الماء… لكم الله.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

15 Comments

  1. الاء الهباش says:

    معاناة تنهش في أجسادنا وأرواحنا كما تنهش المخيم واهله وبيوته وكل فلسطين ..

    اللهم فرج كرب الجميع وكن بالعون ..

  2. إيمان أبو واكد says:

    آويها يا سولار وياكاز
    آويها ويا بنزين ممتاز

    آويها واللي بقطع الميا والكهربا
    آويها تفقع فيه جرة غاز
    لولولوييييييش ^_^

    1. هههههههههههههه
      أضحكتيني يا إيمان
      بيعين الله

  3. تغريد عطااله says:

    شرّ البليّة مايُضحك ياعزيزي 🙁

    1. بيعين الله تغزيد

  4. eyad ahmed says:

    مقال جرئ يا أبو أنس
    نرجو من الله أن يصلح الحال وأن ينتبه القادة لتلك الإشكالات
    مع التحية
    اياد

  5. سماح أحمد says:

    حالة مأساوية تُجسد الواقع الذي نعيش وتخيل لو المياه أصبحت كما حال الكهرباء؟
    موفق عزيزي انا أفضل هذا النوع من الكتابات اللي تتحدث بلسان حال الكاتب بعيداً عن التكوير والتكعيب في المترادفات

    1. يسلموا سماح
      وربنا يصلح الحال
      هو عند اهلي المي أسوأ من الكهرباء على فكرة

  6. fady temraz says:

    لكم الله:(
    أُستاذي الرائع كما عهدناك فما ينتفضُ ذاك الحبرُ إلا من أجل ألامهم والشعور …بما يحتويهم… هؤلاء الذين أرهقتهم تلك السنين،،~
    دمت بحفظ الله ورعايته،،~

    1. شكراً فادي
      والله إنه الوجع يا صديقي ولك أن تتخيل أن تعيش بلا ماء كيف ستكون حياتك
      إنها الجحيم

  7. ماهر عمر says:

    هو … من خرج من رحم المعاناة … و رضع من ضرع الوجع المطلق الأبدي … ابن المخيم ينثر

    الوجع … الحكايا … في محاكاة رائعة لواقع مخزٍ مؤلم …

    أستاذي … الصديق العذب الرقيق ، قاصنا الجميل … رائع و أكثر

    محبتي و التحايا

    1. شكراً أخي ماهر
      هو والله مجرد حالة ألم مكبوتة لأن أمي كل يوم تخبرني بأن الماء هاجرهم بغير رجعة منذ أكثر من شهر ولا أدري شو الحل والاخوة في بلدية غزة لا أدري ماذا يفعلون وما هو دورهم
      والله المستعان

  8. safaa abu Rahma says:

    لهذا يولد الكتاب في خنادق الالم لكي تلتقط عدستهم المتفردة صور الحياة واصعب مواقفها حيث تعجز السن العامة عن تنفيس الالم .. شكرا استاذ يسري على هذا النص النابض بجرح غزة

    1. وشكرا لقراءتك معاناتنا
      وآمل أن تتوقف هذه المعاناة كي نصل إلى بر السلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *