مقالات - صحف عربية

غُربة

4

أكثر من ست ساعات بالحافلة، يسبقها خمس ساعات بالطائرة، وساعات طويلة تدمي أجسادنا المعطوبة من معبر رفح إلى المطار، حتى نصل إلى غرناطة، تلك المدينة التي مازالت تحتفظ بهويتها الإسلامية رغم كل من مروا عليها.

فور وصولي، أقرر الجلوس في مكان هادئ، بعيدًا عن تضاريس الألم والإرهاق والتعب، لكن النعاس يدب في أوصالي فأتراجع وأنام، أغط في سبات عميق، ومع الصباح ألتحف ردائي، ثم أذهب إلى(Catering) لتناول طعام الإفطار، وهناك أجلس مع مجموعة من الأشخاص من جنسيات مختلفة: لبنانيين، وجزائريين، ومغاربة، وتونسيين، نتحدث عن هموم العربي المغترب، والمقيم والمهجر والبائس والسجين والباقي (…)ثم نقوم لحضور افتتاح (كامبوس بارتي)، وهو مؤتمر أقيم في تلك المدينة بدعوة من الحكومة الإسبانية وعدد من المؤسسات الدولية والمحلية هناك.

بعد انتهاء الاحتفال تعرفنا وزملائيإلى منى المقدسية، تلك التي سعدت جدًّابوجودي ووجود رفاقي من غزة، فتعترف بأنها أخيرًا قد التقت أحدهم من غزة عيانًا، كأننا هبطنا من السماء ثم عدنا إليها مباركين، وحين استهلت حديثها ضمن ورقة العمل التي قدمتها، قالت وقد طفرت دمعات على خدها:”شكرًا لإسبانيا أن جمعتني بأبناء بلدي من غزة، رغم أنني لم أستطع يومًاأن أزور تلك البقعة الصغيرة أو أقابل أيًّا من سكانها”، وقد كان لحظتها التصفيق حارًّا.

يومهاتحدثت عن مشروعها (Open street map) وعن قسوة المحتل، وتمزيق الضفة والقدس، تحدثت عن غزة، عن الحصار، عن الموت، ولقد كانت منى رائعة رغم أنها كانت متوترة قليلًا، وكنت أشير لها في أثناء عرضها لمشروعها بأن تستمر أو تتوقف، تخفض صوتها أو ترفعه، كـ(أوركسترا) يوجه فريقه كيف ينشئ نغمًا موسيقيًّا رائقًا.

وفي أثناء تلك المحاضرات وورش العمل اكتشفنا مدى تعلق كثيرين بفلسطين وعدالة قضيتها، أكثر من بعض الزملاء العرب الذين حاولوا أن يكونوا أكثر اتزانًا في حديثهم على حساب القضية الفلسطينية، عكسذلك الدبلوماسي التركي الذي استوقفني ذات مرة بالجمعية العمومية داخل مقر الأمم المتحدة بنيويورك، وقالها لي متوترًا: “إنني حين أتحدث عن فلسطين أنسى نفسي وأخلع عباءة الدبلوماسية، وأقاتل من أجل فلسطين بصوتي وروحي وكل ما أملك”، فهل نحن كذلك؟!

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *