قصص قصيرة

قلعة

صعد الشيخ إلى السماء، وأرواحنا معلقة بين كفيه. نبكيه وهو يضحك، كأنه لم يضحك من قبل. وقبل أن يختفي وجهه مع هزيع الليل الأخير، يهتف بنا في وقار:
– ابنوا لي قلعة أراكم فيها كل عامٍ مرة أو مرتين.
ونحن ما زلنا متجمدين من هول ما نرى ونسمع. غير أن رؤوسنا سرعان ما تومئ بالموافقة. ثم ننصرف وخيوط الفجر تلامس جباهنا.

***
في صبيحة اليوم التالي، هب الرجال من كل حدب وصوب. وعند صومعة الشيخ اجتمعوا. كانت أنفاسهم تعانق السماء، والريح تصطك كما أسنانهم، بينما ترتجف الأجساد كأنه الحشر العظيم.. لا يعرف أحدهم من يكون، أو من الذي يقف إلى جواره، ثم فجأة ينبثق صوت رخيم من الأرض:
– إنه اليوم الذي يتخلى فيه الخليل عن خليله، وتضع كل ذات حمل حملها.
أنفاس تشخر، وأخرى تلهث كأنها أمام الموت، لا شيء سواه.
– يا قوم، أجيبوا داعي السماء، ولنبن قلعتنا قبل حلول الظلام.
صمت كقبور شاخت وتهدمت. صدى الريح يصم الآذان، ويغلق الأفواه التي سرقت اللحظة بين غمز وهمز.
– أجيبوا قبل أن تندثر القرية بمن عليها.
الخوف وجع يخترق الأجساد، وينحر الماء قبل أن يدلف إلى بوابات الظمأ.. يقف أحدهم وقد تبللت ثيابه:
– لقد جنينا على أنفسنا.. لم نسأل الشيخ عن القلعة وتضاريسها؟
كأنه فتح باباً مغلقاً منذ ألف، ألف عام.
– وأين سنبنيها…؟؟!
يهتف آخر وعيونه تطفر دماً:
– علينا أن نبنيها فوق صومعته، تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا.
يصرخ آخر مرتجفاً:
– إياكم أن تفعلوا، فلن يبقى لنا حينها أثر من روحه.
ينتحب، ثم يواصل حديثه متقطعاً:
– إنها لعنة السماء، حلت بنا لأننا فرطنا في الكتاب.
ساعات طويلة تمر، وهجير الظهيرة يلفحهم.. يغشى على بعضهم، دون أن يحرك أحد ساكناً، ثم فجأة يزأر صوت من جديد:
– لعله أرادها ذهباً… أوا إن بنينا الصومعة بذهب خالص هدأ بركان القرية وتنورها.
…………….
…………….
يهمس عجوز إلى جاره بحذر شديد:
– لا أظنه أرادها يوماً ذهباً، فهو يتعفف عن ذلك مذ أتينا هاهنا.
ينظر إليه جاره وعيناه توغلان في غابة من جنون:
– لقد جئنا إلى هذه القرية ولم نجد سواه…
يتابع بأسىً:
– وقف إلى جوارنا، داوى جراح من غرقوا حين أدركنا اليباب.
– …………………..
– إننا حقاً بحاجة إليه، كي نتطهر بظله.
شفق بلون الدم يلف القرية ببيوتها. تبكي السماء مطراً غزيراً يهلك الحرث والنسل، فيضانات وسيول.. والرجال ما يزالون يرابطون في أماكنهم. كلٌ يهذي باسم الشيخ دون أن يجد مخرجاً لما هم فيه.
تمضي الأيام مسرعة. تسابق الريح. والشيوخ كما هم منذ أن ولجوا قرية العجوز، تحل عليهم لعنة الصمت. بينما يهذي صغار القوم، فتنطلق الألسنة، وتعلو، حتى تضج القرية بالصراخ والعويل:
– سنبني قلعتنا من الزمرد.
– لا، فلتكن من الفضة، فالزمرد عزيز ولن نجده بكثرة.
– كما أخبرتكم، فلنبنها من الذهب، ولتكن يوم عيد.
مواويل تُغنى. والشيوخ تراوحهم هزائم الليل، وترانيم الظلام.
– فلتكن القلعة من أصداف البحر، نبينها بجواره.
– ولتكن الحيتان قرباناً توزع على فقرائنا كل صباح.
أشجان تعلو وأخرى تنزوي، والقرية في جدل عظيم منذ تميمة الصعود إلى السماء. الأشكال تغيرت. الوجوه تلونت وتبدلت. وحين اكتملت السماء بنور القمر، خرج مجنون القرية يجمع الصبية ويغني:
– سنبني القلعة كيفما تكون
– سنبني القلعة أينما تكون….
وعند حلول الفجر تكون القلعة قد أمست حقيقة واقعة..
***
ثلاث أيام مضت، والناس في ترقب عظيم، وحين اختفى وجه القمر، انبثق نور غطى القرية بأكملها، وظهر الشيخ في عباءته المهترئة. معلقاً بين السماء والأرض.. نظر إليهم، كأنهم ليسوا هم، وكأن القرية ليست التي عاش فيها قروناً من الزمان. سأل بتوجس:
– من أنتم؟!
أجاب المجنون والخوف يلازمه:
– نحن أهل القرية وسكانها، ألم تعرفنا سيدي!
دهشة تحاصر الشيخ، تطوحه:
– أسألكم مرة أخرى، من أنتم؟!
– نحن يا سيدي، أبناء قريتك التي بنيتها.
– لكن وجوهكم غير التي أعرفها.
– ………………………..
– منذ متى وأنتم تبنون لي قلعة؟!
– منذ مئة عام، سيدي.
– أكل هذا الوقت استغرقكم كي تبنوا لي قلعة.
– لا، لكننا (مطأطأً رأسه) احتجنا وقتاً كي ……
– ……………………….
– ……………………….
ينظر إليهم العجوز والدموع تنساب رقراقة على وجنتيه. نشيج متقطع يخنقه، كأن روحه تفارقه وكأن السماء تفتح أبوابها من جديد، يدخلها والريح تعوي في قريةٍ قد أمست أثراً بعد عين.

سبتمبر 2010

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

5 Comments

  1. شكراً أبو الوليد على لطفك
    شكراً اخي علي

  2. مدونة جميلة يا ابو انس والله يوفقك والى الامام

  3. عمل جميل وراق
    ارجو لك التوفيق

  4. شكراً يا مي
    وأرجو أن تكون مدونتي قد حازت رضاك

  5. مي says:

    لا تزال تتحفنا بابداعك كما العادة
    واصل الابداع ولا تحرمنا هذه الكتابات الجميلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *