مقالات - صحف عربية

كلمني شكراً

كنت في زيارة إلى ألمانيا في حينه، وكنت أذهب بين الفينة والأخرى للتسوق من المحال التجارية هناك، بعد الانتهاء من تدريباتي المكثفة. أشتري ما أريد فيبادلني الباعة الابتسامة وهم يقولون: “دنكشن” ثم أمضي. ليلتها سألت أحد الأصدقاء عن معنى تلك الكلمة فأخبرني أنها تعني “شكراً”، أي شكراً لأنك تشتري منا، ثم تعلمت أن أرد بـ”بيتشن” أي عفواً.

ثقافة الشكر تكاد تكون غائبة عن مجتمعنا بشكل كبير، حتى باتت تطرب لها الأُذن من خلال الأجهزة اللوحية للمؤسسات كالبصمة والصراف الآلي. فهل عجزت ألسنتنا أن تقول تلك الكلمة؟ هل يعتقد المجتمع أنه سيصبح أقل تقديراً حين يشكر أفراده بعضهم بعضاً، وقد قال رسولنا الكريم: من لا يشكر الناس لا يشكر الله. بالتأكيد لا، لكن المجتمع انشغل عن تلك اللغة بسبب ظروف وأحوال وضغوطات وتشنجات كثيرة حاقت به، فصار من الواجب أن يعود اللسان للهَدي الإنساني الكريم. فالتقدير يمنح المجتمع بلسماً شافياً من الضغائن والكراهية، ويبث في ردهات المدينة عطر المحبة والابتسامات العابرة.

أما على صعيد الإعلام الاجتماعي والدردشات التي تحدث بين كثيرين عبر هذا العالم الافتراضي، فقد عجزت تلك العوالم عن تدريب كثيرين لغة الشكر والصباحات أو المساءات الجميلة، حيث يختتم كثيرون حديثهم مع الطرف الآخر بإشارة “لايك” صماء، يردون على دعوة بلايك، يجيبون عن سؤال بلايك، تلك اللايك التي لا تغني ولا تسمن من جوع، مما يعني العجز الثقافي والأدبي عن الشكر أو الدعاء بليلة وأحلام سعيدة. فهل نحن عاجزون عن التلفظ بالكلمات الجميلة؟! هل نحن عاجزون عن ممارسة “الكلمة الطيبة”؟!

تخيلوا معي كيف سيكون حال الطفل حين نقول له شكراً بعد أن ينجز من نطلبه منه؟! كيف سيكون حال الزوجة حين نمنحها قبلة أو وردة أو هدية تليق بجهودها طوال الوقت من أجلنا وأبنائنا؟! كيف سيكون حال العامل حين نقدم له كأساً من الشاي أو فنجاناً من القهوة بابتسامة وكلمة طيبة؟! كيف سيكون حال الآخرين حين نسألهم فيجيبون عن تساؤلاتنا في أمور تخصنا؟!

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *