مقالات

مذكرات لوقت الحاجة

785

استشاطت زوجته غضباً، وخيّرته بين بقائها في المنزل أو إبقائه على المذكرات التي يكتبها منذ أعوام طويلة؛ فقرر أن يشتري رأسه، وحرق تلك الدفاتر بخيباتها وانتصاراتها، بكل ما فيها من حب وجنون وحزن وهموم، ليتحسر كما روي لي بعد عشرات السنين على إعدام ذلك الكنز الذي يمثل مشروع عشرات الروايات والقصص.

يقول الفيلسوف والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو بأن كل رواية عبارة عن سيرة ذاتية، ورغم أنني لست من أنصار التأويل الببلوجرافي للنص، إلا أنني أرى أنه لا يمكن ابتعاد بطل النص داخل القصة أو الرواية عن الواقع، وهو ما دفعني للقول بأن كل سيرة ذاتية مجموعة عن أعمال إبداعية بحاجة إلى إعادة كتابة وصياغة لتخرج بقالبها الموسوم بصفة الأدب.

ولقد سبق وكتب كثيرون حكاياتهم وبطولاتهم وخيباتهم أيضاً في أعمال إبداعية روائية ونصية وغير ذلك، حازت على رضا القراء واهتماماتهم، حيث قرأت سابقاً كتاب الأيام لطه حسين، وطفولتي لمكسيم جوركي، والبئر الأولى لجبرا جبرا، وامرأة النسيان لمحمد برادة، فعرفت بأنها سير ذاتية تحاكي معاناة هؤلاء وقصصهم التي زادت من رصيد المعرفة وحماسة القراء.

وعند متابعة الكثير من الدراسات النقدية، سنكتشف بأن معظم أعمال الجيل الأنثوي الجديد هي عبارة عن سير ذاتية لأديبات حاولن النجاح والوصول لتقدير الذات من خلال عالم الأدب، كرواية دنيا زاد لمي تلمساني، والسيقان الرفيعة للكذب لعفاف السيد، ونقرات الظباء لميرال الطحاوي وغيرها الكثير، حيث أن تأثير الواقع دفع بتلك الكاتبات لتوثيق ما يجري معهن داخل الورق بلغة أدبية صرفة.

ولم يتوقف الحديث عن الذات في سرد الروايات فقط، بل أتت كتابة المذكرات بصورة مباشرة وبأسماء وتواريخ حقيقية ككتب الساسة الذين يبيعون تلك المذكرات بعد انتهاء ولاياتهم بملايين الدولارات لأنها شاهد على العصر، كمذكرات كيسنجر وشارون وكلنتون وهيكل وزعامات أخرى كثيرة. الأمر الذي يعطي القارئ صورة عن مدى أهمية كتابة تلك المذكرات، والتي ستكون فيما بعد رصيداً مهماً لكل قادم جديد إلى هذه البسيطة. وهي النصيحة التي أردتها من خلال مقالي هذا، بأن كل واحد منا لن يخسر شيئاً إذا اشترى قلماً يخط به مجريات حياته بنجاحاتها وهفواتها، لأنها ستكون حياة جديدة لمن بعده من الأبناء والأحفاد. ولعل البعض سيتذرع بأن المذكرات كذبة كبيرة؛ لأن الكاتب لا يمتلك من الجرأة ما يدفعه للتصريح عن أخطائه ونزواته، بل سيكون مثالياً، وهذا الأمر ليس صحيحاً؛ لأن مثل هذه المذكرات ستكون نتاج حياة يتعلم منها اللاحقون فلا يقعون في نفس الهفوات.

قد يأتي يوم ويصبح أحدنا في مكان مهم في الدولة، حينها ستصبح غلّة حياته، ملك للمجتمع الذي تربى وترعرع فيه، فلا يبخل أحدنا بتوثيق حياته لكل من معه في مركب الحياة، وليكن شعارنا بأن القلم هو أول ما خلق الله، وبه ترتفع الأمة وبما يخط أصحابه، ونحن جميعاً مؤهلون اليوم لنكتب ونكتب ونكتب. فلا تترددوا بتسجيل تجاربكم في الحياة.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *