مقالات - صحف عربية

مطار

munich_international_airport

أخرج من المنزل، أجر حقيبتي على رصيف القاهرة المغبر، وعند نادي الترسانة أتوقف قليلاً، ثم أركب العربة، أتحدث بلهجة مصرية مهكعة، وبعد أن تنجح حيلتي ونتفق على 50 جنيهاً، أتحدث حينها باللهجة الغزاوية (القُح).

السائق طيب جداً، ولطيف شأنه كشأن المصريين جميعاً، وجوههم وقلوبهم تكتظ بالحب. شوارع القاهرة خالية إلا من بعض السيارات، يسألني السائق: “أنت أمورك تمام يا باشا، لو وقفنا الجيش”. أبتسم وأجيبه “أكيد أموري تمام”. السائق يشرح لي الأماكن بينما أقوم بالتقاط بعض الصور، المتحف المصري، متحف رمسيس، سميراميس، ماسبيرو، قصر البارون وغيرها من الأماكن.

وبعد الانتهاء من إجراءات السفر وتسليم الحقائب، أذهب حيث (البرودنج) ثم أجلس أمام صالة (G7) بانتظار أن تفتح الصالة للتجهز لركوب الطائرة. خلال ذلك، أتعرف على شابين من نيجيريا، سيسافران إلى دبي، نتحدث كثيراً حول الأديان، وسبب ذلك الحديث هو أحد أفلام اليوتيوب الذي يظهر حرق النيجيريين المسيحيين لبعض المسلمين وهم أحياء، فنتحدث ونتحدث، لكنني وبصراحة لم أفهم سوى القليل من زميلي النيجري بسبب لهجته المتعسرة على الهضم.

وبعد أن تفتح الصالة (G7) ندخل، ومنها إلى الطائرة، مع بعض الإجراءات الروتينية، فيجلس إلى جواري إفريقي، وهو بالمناسبة مهندس طيران، ندردش قليلاً إلى أن تقلع الطائرة، وبعد أن تستوي الطائرة في جو السماء، أقوم بتصوير الأرض في الأسفل. شعور غريب ينتابني، شعور مخيف فعلاً، الكثيرون قضوا في حوادث الطيران، تراودني حينها إحدى قصص بهاء طاهر التي تتحدث في الموضوع ذاته خلال مجموعته (أنا الملك جئت) فيما أذكر.

للمرة الأولى، ورغم زيارات متكررة للقاهرة أشاهد الأهرامات من الطائرة بينما تميل بنا قليلاً، كنت سعيداً بذلك، لأنني أنظر إلى حضارة عريقة من أقدم الحضارات على الأرض وفي قلبي غصة مما تعانيه اليوم من مؤامرات لإسقاطها حية.

الهدوء يعمر الطائرة بعد ذلك، البعض يتصفح الجرائد والبعض الآخر يغط في نوم الموات، أما أنا فلا يتركني ذلك القلم المجنون، أكتب وأرسم وأضع خططاً لما سأفعل، خمس ساعات ونصف والطائرة تحلق فوق بلاد لا أتبينها، نعلو على السحب، والبياض الناصع في سماء لازوردية دافئة تحتويني، البحار والأنهار والمحيطات من تحتي، البشر هناك في الأسفل يمارسون حياتهم وفي رأس كل واحد منهم ما يكفيه من الهموم والحكايا. فسبحانك يا الله كيف خلقت فأبدعت.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *