قصص قصيرة

هذا هو اسمي

aa

إيثان، هذا هو اسمي.

ولعلعكم ستعتقدون بأنني لا أملك غيره، كأي شاب يقطن في مدينتنا الساحلية، إلا أن ذلك غير صحيح البتة.

ففي الوقت الذي تهذي فيه جدتي بميثان، لتثير غضبي. تنطلق صيحات زملاء الدراسة من خلفي وأنا أسجل هدفاً في مرمى الخصم: ليون، ليون، ليووون.

أما حسناوات جامعتي اللواتي يعرفنني بموزيس، كن يتغامزن كالعادة في حكايتي التي ذكرتها أمام الفصل دون خجل، لدرجة أن حاول بعضهن كسب غمزة من عيني التي لا تعرف غير الأرق. حدث هذا مذ عادت الأسرة إلى غزة، حيث العتمة اللازوردية السماوية الربانية. فصرتُ كمريمة في غرناطتها داخل حواشي الرواية، أوقد مصباح البيت بالزيت، وأمارس هواية القراءة تحت نور القمر على الشاطئ.

أما حبيبتي التي لا تعرف سر الوشم في كتفي الأيسر، فقد كانت تناديني بروميرو، ولم أع سبباً لهذا الاسم، لكنني قررت الصمت والإبقاء على مساحة من البوح لفتاة تضج بالأنوثة.

وأذكرها ذات مرة وقفت تحت شجرة سرو سامقة، وسألتني بغنج عن “التاتوو”، فابتسمت وأخبرتها بقصتي الأولى مع الحياة.

انتظروا، أنا لم انته من سرد أسمائي بعد، فقد اكتشفت بأن الأسماء كلها قد كتبت في الناموس قبل أن أتكور في ظلمات ثلاث، بعضها فوق بعض؛ لأكون فكنت. وبعد أن وضعتني أمي في سلة جرت بنهر الراين في ألمانيا حتى أتعمد، أذن الشيخ للصلاة في أذني اليمنى، وأقامها في اليسرى، فصرت طارق بن زياد بعد الإعلان بإسلامي في إحدى ضواحي مانهتن بنيويورك. ولقد اكتشفت بأنني جدير بحيازة اسم جديد كلما حلقت بعيداً خارج السرب كما كان يحلو لأبي أن يفعل، ولأبي كل الحكايا والقصص التي لم يعرفها غير دهاة المدينة.

ولعلكم ستسألون بفضول عمن أكون، ومن أبي هذا، بدلاً من الأحاجي التي أطلقها بين الفينة والأخرى، ولأنني على يقين بأنكم منشغلون بعالمكم الالكتروني فقد قررت أن أبوح لكم بكل أسراري كي يتسنى لكم أن تسجلوها عبر مدوناتكم وصفحاتكم الفيس بوكية.

*****

أبي، العربي الغزي الباحث عن الحياة في دروب المدينة، متسكعاً في شوارعها ودروبها، قاضياً نهاره كادّاً ليحصل على ما تقتات به أسرته التي لم تجد أباً مذ وصلوا سواحل فلسطين، حين قرر الانتداب البريطاني أن ينهي حياته بطلقة مصوبة على القلب، فمات جدي وبقي قلبه حياً ينبض حتى اللحظة في جسد ابنه المتيم بالفارسيات والأندلسيات والموشحات أيضاً.

أبي، وبعدما اشتد عود أخيه الأصغر، حمل متاعه وخرج مودعاً شاطئ الأسرة وخيام الصيادين، ليركب السفينة التي وصلت ميناء حيفا ومنها إلى إسبانيا دون أن تسقط دمعة واحدة في وداع أي ممن يعرف أو حتى النظر للخلف في وجوه من جاءوا لإلقاء السلام على روحه، حتى أصاب جدتي سهم حزنه فماتت مع انتهاء السنة ذاتها.

… أرجوكم وكي أتدارك الموقف. فكل ما أسرده هنا ليس من أجل القدح في شخص والدي المبجل، فهو ليس بالقاسي الذي لا يعرف الرحمة، ولا بالمتجهم كصخرة جلمود في حواشي التاريخ. لأن ذلك مجاف للحقيقة، حيث أنني كثيراً ما رأيته يبكي، بكاء حاراً أكثر مما تمارسه نسوة البلدة المتشحات بالسواد، فقد كان يختلي بغرفة صغيرة تضم مقتنيات عربية وصور لجدي وجدتي وأعمامي ثم يبكي، وحين أدخل عليه يتوقف عن البكاء كأن شيئاً لم يكن.

أما أمي، فقد جاءت من نسل إيزابيلا، لكنها تخاف الكنيسة ولا تصلي يوم الأحد، تقطن في حي البيازين، وتهذي لجنونها بالتاريخ بأنها ولدت قبل الصغير وهزائمه، تنصّر أجدادها خوفاً من الموت على يد فيرناند، فزوجوا بناتهم للقشتاليين.

أمي تلك، لم تكن غجرية، بل امرأة عادية جداً، تبيع الكستناء عند مدخل الحمراء برفقة زميلاتها من الحي الملون بدم الأقدمين. وظلت تكد ليل نهار حتى التقت بأبي هناك، فتزوجوا تحت بهو الأسود بحضور شيخ من مدينتهم، وراهب لا يعرف طعم الماء.

تسرد أمي تلك القصة كي أنام وابتسامتها لا تفارقني، فتقول: “لم أبع طيلة اليوم ذاته، فانتظرت حتى يأتي أحدهم ليشتري شيئاً أعود به للعجوزين النائمين على سرير المرض، فإذ بأبيك، يأتي بأسمال رثة، ووجه عربي حزين، تائهاً، جائعاً، زائغ النظرات، يطلب قليلاً من الكستناء، فيلفني الوجوم، يحاصرني، كأني رأيته من قبل، أو كأنه شاركني شيئاً من أحلامي. وبينما كنت سارحة في تقاطيعه، فإذ به يغمزني بطرف عينه اليسرى، ابتسمت وسألته:

–       أرأيتك من قبل يا سيدي.

لم يكن أبوك يفهم أياً من لغتنا وقتذاك. فقامت رفيقتي بترجمة السؤال للإنجليزية دون أن يدرك معنى الكلام أو الألغاز. وفجأة أمسك بيدي وطار بي إلى فضاء المدينة. سرنا تحت المطر، خطونا داخل أسوار الحمراء دون أن نقطع التذاكر، أكلت معه الكستناء التي لم أذق طعمها منذ شهور، سهرنا على أنغام شرقية لم ترق لي يوماً، ثم تزوجنا، وكان لحكايتنا أنت.

*****

أعلم أنكم الآن تفكرون في والدتي التي هرمت كزيتونة أصابها جفاف العشق. لكنني –وكي لا أقطع شريط أفكاركم- سأعود إلى أسمائي وسمائي لنستظل تحت روحها، فلربما تعودون بي إلى مرتعي القديم كي أحيا مجدداً تحت أي اسم ترغبون بإطلاقه عليّ.

تبدأ قصتي يوم ولدت كأي طفل من أب عربي وأم مهجنة التكوين، وقد كانت العائلة في ألمانيا لإتمام بعض الترتيبات لنقل رفات جدي إلى هناك. أنجبتني أمي بعناء فقررت تعميدي بالكاتدرائية القديمة بمدينة كولونيا ثم إلقائي داخل سلة بالراين، وأطلقت عليّ اسماً لم أبحث في معانيه أو خبايا حكاياته وخيباته. في حين ناداني أبي بطارق تيمناً بالعربي الفاتح، وبما أن الغلبة للنساء دوماً، أصبحت إيثان إلى أن كبرت والتحقت بمدرسة صغيرة بالحي الذي نقطنه بغرناطة.

… وذات صباح فوجئنا بوالدي يجهز متاعه للعودة إلى الأرض المباركة، فلا زيتون الأندلس ولا ترابها سيحييه، هكذا تقول العجوز التي قرأت الوسم وضربت في الرمل عند مدخل الجبل الصغير، فعدنا معه محملين بأثقال لا ندرك ألوانها وتشكيلاتها.

وفي مدينتنا الساحلية اصطدمت بواقع لم أتخيله أبداً، حتى أخذ الحال مني مبلغاً، مرضت وشت عقلي، وطارت روحي فصرت أموج بعيداً في عمق البحار كي لا أقترن بأحد، واستمر الصمت رفيقي حتى تغيرت بشرتي وتقاطيع وجهي، ليرغمني أبي حينها بالذهاب إلى مدارس فقيرة لا تعرف غير العربية، أتلعثم بحروف أهلها وأسرارهم، حتى كبرت بينهم رويداً رويداً فأطلق رفاق مدرستي الأسماء التي يحبونها أو يعرفونها، ففيلسوف الفصل قرر مناداتي بليون لأنه يعشق الأدب ويعرف أمين معلوف بليونه الإفريقي وسمرقنده، وصار اسمي متوارداً لدى الجميع، وانتصاراتي بكرة القدم جعلت ليون من خلفي يزأر كأسد لا يعرف البوار.

*****

هل تنتظرون مني لأخبركم بحكايتي مع حسناوات الجامعة؟

حسناً، وبما أنني لا أرغب في الإطالة، لما لديكم من مشاريع مهمة ودردشات حيوية عبر إعلامكم الاجتماعي فسأقولها باختصار، راجياً ألا أثير حفيظة أي منكم.

فقد تحدثت عن الأديان وعن الأنبياء، وأطلت الحديث في موسى وعصاه التي تمنيت أن تفتح لنا في البحر طرقاً وسدود، وعن السلة التي رأتها جدتي ذات منام فطلبت تعميدي بسلة موزيس بأحد أنهار العالم لتضج زميلاتي بالضحك ثم قررن إطلاق موزيس كاسم جديد لذي العينين الغائرتين بالحلم.

*****

كبرت، فقررت السفر، حاولت وحاولت حتى كللني النجاح دون عصا موسى أو دهاء هامان، فسافرت عبر معبر رفح الذي لا يفتح في العام إلا مرة أو مرتين. وفي جامعة كولومبيا بنيويورك بدأت مشواري مع الحياة حتى التقيت بـ(أماندا) الإسبانية الغجرية المسلمة، أحببتها حد العشق، ونسيت معها معاناتي، كانت تناديني بروميرو، ولم أع سبباً لهذا الاسم، لكنني قررت الصمت والإبقاء على مساحة من البوح لفتاة تضج بالأنوثة. وأذكرها حين سألتني بغنج ذات مرة عن “التاتوو” كغيرها من رفاقي الذي يجهلون سبباً لتلك الخطوط الخضراء في كتفي الأيسر فأجبت بما لا تعرفونه أنتم أيضاً.

فبعدما عاد أبي من كولونيا، عادت أمي لمرتعها القديم، فزارت الحمراء كأنها ضيف لا يعرف المكان، التقت برفيقاتها اللواتي يبعن الكستناء في طرقات غرناطة وقد تغيرت وجوههن وصرن أكثر أنوثة وشبق، تغامزن في أبي حتى وصلت الجرأة بإحداهن أن تضع يديها حول خاصرته ثم تقول: “كم أعشق مثل هذا الخصر العربي” ليتلون وجهه جمراً كأنه لم يعرف امرأة من قبل، وقبل أن يغادروا المكان، تدلف نحوهم إحدى الغجريات وفي يدها بعض أعشاب إكليل الجبل. طلبت من والدي شرائها ففعل، وزادها في الثمن، فابتسمت، ووضعت عشبة غريبة في حلقي متمتمةً بطلاسم وكلمات كأنها السحر، ثم رسمت وشماً في كتفي الأيسر دون أن يحرك أي من والديّ ساكناً، ودون أن أتألم، وحين انتهت قالت: هذا هو نوركم الذي سيضيء بكم الدروب.

انتهيت من سرد الحكاية لأماندا، التي حدثتني عن حياتها وعوالمها، فآمنت بها حتى صرت متيماً برفقتها، وبها أسلمت وجهي لله، فصرت طارق بن زياد، بعد أن أذن الشيخ للصلاة في أذني اليمنى، وأقامها في اليسرى، ومعها عدت إلى بلاد الأندلس، حصلنا على صور لقصر الحمراء وبهو الأسود، وخلفنا شعار لم يمحه كل من مروا على المكان (ولا غالب إلا الله).

** نشرت بمجلة أفكار – وزارة الثقافة الأردنية نيسان 2014

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

4 Comments

  1. زينة الغول says:

    كاتب مبدع وعميق .

    1. يسعدك زينة.. شكراً

  2. معبره جدا.. تحمل الكثير الكثير من قصص العائله في قطعة واحده
    بالتوفيق

    1. شكرا لميس. احترامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *