مقالات - صحف عربية

وجع الأمكنة

20119513538493734_4

ما أن تجلس أمام شاشات التلفاز أو المواقع التواصل الاجتماعي حتى تصطدم بمناظر الدم والموت والدمار الذي أصاب الجسد السوري وأحاله إلى ركام. فالحليم صار حيراناً فيما أطلق على ربيع الثورات العربية، حتى المتفائل صار محبطاً وجعل الواحد يتمنى أن تنتهي تلك الحالة من التناحر إلى الأبد، مستذكراً الحرب الأهلية اللبنانية وحرب الخليج الأولى والثانية والانقسام الفلسطيني، والانقلاب في مصر، وتقول بينك وبينك: أما آن لهذا المخاض أن ينتهي؟

الكثير من الأعمال الأدبية حملت هم المواطن العربي إبان الحروب الأهلية والانقسامات السياسية وعصور التغيير. ففي إبان الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 كانت الأعمال الأدبية تزيد من جروحنا وآلامنا، لأنها كانت تدمي مخيلتنا وتودي بإنسانيتنا إلى رحاب الموت من مشاهد التعذيب والموت التي أجادها تصويرها كثيرون من الروائيين والقصاصين. وأذكر كيف أصبت بحالة حزن بعد قراءتي لرواية الشياح لإسماعيل فهد اسماعيل التي أهداها فيما أذكر للمسلخ. كما كتب إلياس خوري “الجبل الصغير”، وكتب صنع الله إبراهيم “بيروت بيروت” وكتبت غادة السمان “كوابيس بيروت” فأحالت كل الحياة كوابيس لا تنتهي وصارت الحرب الأهلية اللبنانية صورة الموت المجاني المبعثر في كل ردهة من تلك البلاد، كما كانت تلك الكتب وصمة عار – كما هي اليوم- في جبين الأنظمة التي استأسدت على شعوبها وقاتلت بشراسة مستخدمة جل قوتها لإنهاء من يطالبون بالإصلاح والتغيير دون أن تقدر على ضرب صاروخ واحد تجاه العدو الحقيقي، الجاثم على أرضها في الجولان.

الواقع العربي المرير لا يتوقف عند سورية، بل ينحدر باتجاه العراق ومصر وليبيا واليمن وفلسطين والكثير من بقاع هذه الأرض المتناثرة، حتى تصير لغتنا متفجرة وعنيفة، ورواياتنا وقصصنا وقصائدنا مجنونة تطرح أفكاراً لا يمكن أن تطر على ذي بال. ولعل المتابع للمشهد الثقافي والجوائز العربية والعالمية التي صارت تتحدث بإسهاب عن أعمال مميزة لجيل شاب تلقى الضربات الموجعة جراء القمع الرسمي العربي يدرك سبب التجديد في القصة والرواية، فرواية فرانكشتين في بغداد التي حازت جائزة البوكر العام الماضي، وروايات جديدة مثل طبول الحب لمها الحسن تصف الظلم الواقع على المنطقة العربية بيد أبنائها، بل يستمر طوفان الأدب في وسم المرحلة كي تكون تاريخاً للاحقين، فقد كتب حديثاً العديد من الروائيين الشباب سيرة الظلم في روايات مثل: أجندة سيد الأهل لأحمد صبري أبو الفتوح، وكان الرئيس صديقي لعدنان فرزات، وعدو الشمس لمحمد الريحاني، وثورة العرايا لمحمود أحمد علي، ومدينة لن تموت ليوسف رفاعي وانقلاب لمصطفى عبيد، والكثير الكثير من الروايات التي تتحدث عن الأزمات والثورات في ليبيا ومصر وسورية وكأن هذه الأمة تربط مصيرها بالدم.

كم يتمنى القارئ العربي أن يقرأ اليوم شيئاً غير ملوث بالدم، لأن الحياة صارت مجرد صندوق مغلق يعج بالموت لكل ما هو حي يرزق.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *