مقالات - صحف عربية

وعليك السلام،،

eg8iH

لروح الشهيد محمد محسن المدهون

حمودة …

مذ كنا صغاراً وأنت ذلك المكابر الذي يحمل خارطة الوطن في روحه وقلبه، فعرفت دربك ورسمت تعاريجك، لتكون الرصاصة التي تفجرت في طفولتنا، وصارت البندقية مراهقتك المجنونة تركبها كفرس مكابر، وصواريخ الانتصار سماءك، فتطير بهما حيث البعيد، تحلق في ربوع فلسطين المحتلة، وبالصواريخ تنفجر وتنفجر، ليتفتت جسدك بأمراضنا، أسقامنا، والصاروخ حكاية لا تعرف المهادنة، تتحرر أنت ونموت نحن.

مذ كنا صغاراً، كنت ذلك الصامت، الصامد، الشقي، الذي لا يلين، فتتحمل صهد الشمس، تمارس رياضة المقاومة، وتقاوم رياضة الجبن، وحين أعلنوا حربهم أعلنت حريتك، وصرت فارس الليل وراهب النهار، فأوجعت نهارهم صواريخك وليلهم بجهنمك. والحرب سجال يا صديقي، وأنت أنت ونحن العدم.

أراك وأنت الربيع الذي أزهر قبل أوانه، ثم جاءه خريف الموت، ليقطفه بمرض عضال، بعد أن تلبستك أوجاعنا، وحملتها صلداً تليداً، فبكتك الثغور، وصلت عليك المساجد، ورفاق الدرب يكثرون، يفيضون من أجلك بالحب، يبكون على أزهارك التي قطفتها رياح المصير، تتعالى أصواتهم، تزمجر في جنبات المخيم، يتقدم الحشد وجسدك ممتد إلى آخر الدنيا. تعلوك سحابة عظيمة تظلل القادمين إلى عرسك وصورتك عالقة بذهن المخيم.

في أيامك الأخيرة كنت متيبس الأضلاع، تهوي روحك في قيعان سحيقة، وجبهتك العريضة، حارقة كهجير آب، يحاولون الحديث معك، الهذيان بأي شيء، لكنك غائب عنك، عن كل ما هو حولك، ورعشة النزع تنتابك، فلا تملك سوى الاستسلام. فتحيا ونموت بجوارك.

كنت مدرسة، تخرج منها أقرانك الذين عايشوك وحملوا بنادقهم في جوف الليل، عرفت السياسة وعرفت تعاريجها، فكنت تحلل وتدقق وتتوقع فتستشرف بفراسة المؤمن ما هو قادم وإلى أين المنقلب. كنت قائداَ عسكرياً صلداً، تعلمت الجندية فأجدتها، وصرت تكبر كل يوم، ومعك الرجال، يكبرون ويحملون تهاويم الوطن. لم تأبه للتهديدات التي جاءتك، لم تأبه للسرطان الذي تلبسك وأنت تصنع الحكاية، وتضع القنبلة في قبر الهزيمة.

لعلك لم تعرف من أنت، وما هو قدرك إلا حين أصابتك نكسة المرض، فصمدت وعدت مثقلاً بألمك، وحين جاءت الحرب من جديد، أوكلوا إليك مهامهم، وكنت تقودهم فتنجح وتنجو. فعليك يا صديقي السلام.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

2 Comments

  1. ماهر عمر says:

    يكتبنا الوجع … فلا نستطيع كبت الدمع لنذرفه دما على فراق الأحبة … موجعة أستاذي …

    هو القدر …

    أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يسكنه الجنان

  2. افنان القطراوي says:

    حياة في هذا النص ؟!
    و أيّما حياة …

    رائع .ا . يسري

    لروحه الجنة
    و لزوجته و اهله السلوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *