مقالات - صحف عربية

ويحكي البحر حكاية عشق

mk124801_140000

خرجت في رحلة بحرية مع زملائي، حملنا متاعنا، غادرنا مؤسستنا إلى أن وصلنا منطقة الشيخ عجلين، فنصبنا خيمتنا، وجلسنا، أمامنا البحر الكبير، بكبريائه وشموخه، تسامرنا حتى انتصف الليل، وعم الهدوء إلا من صوت المد والجزر، فذهبت وحدي إلى الشاطئ، تأملته والمياه تنسحب بهدوء من بين أصابعي ثم تعود لتغرق قدميّ بالكامل،وأنا أهيم على شواطئ مخيمنا التي نسيتها بعد أن تهاوت، فلم يعد هناك بركة نادي الشاطئ أو بركة بكر أو أي بركة أخرى، حيث كنا نذهب إليها ونحن في سن الزهور لنتعلم السباحة ونقفز من أعلى كالمجانين. ولكن للأسف، فقد جاءتنا الكتل الإسمنتية التي تحمي المخيم من المياه التي تتدفق كل يوم، ولم يعد لنا بحر نستحم فيه.

وعلى الشاطئ تذكرت مجموعة (ويحكي البحر حكاية عشق) للكاتب الفلسطيني الراحل عثمان أبو جحجوح، تلك المجموعة القصصية التي يعيش فيها القراء حياة المخيم والبحر، المعاناة والعشق بطعم السردين والبوري والدهبان، معاناة الاعتقال والاغتيال والشهادة بكل موجة في بحر غزة. وسعدت أن هناك من نجحوا بتسجيل الماضي الجميل، بكل ما فيه من بطش وبساطير واعتقالات ليلية وحظر تجوال وممارسات عسفية من طرف الاحتلال الغادر، لأنهم احتفظوا بالبحر في أوراقهم، والسفن والقوارب ما تزال تسير في مخيلتنا. وأذكر أن كثيرين من النقاد أشادوا بتلك المجموعة لأنها تميزت عن غيرها بأريج البحر وطعم السمك وحكايات البحارة والصيادين وهمومهم، وهو مالم يتطرق له كثير من الكتاب من قبل بهذه الصورة.

لقد كتب حنا مينا “حكاية بحار” و”نهاية رجل شجاع” وغيرها الكثير، وكتب جبرا جبرا روايته “صيادون في شارع ضيق”، كما كتب مؤنس الرزاز “أحياء في البحر الميت”،لكن كل واحد من الروائيين كانت له بصمته في الكتابة، ولغته ورموزه، ووحده عثمان أبو حجحوح من نجح في اعتقالنا واحتجازنا أمام عتبات صفحاته كي نسترد ماضينا، فبعد أن تركت العيش في المخيم، لم أعد أذكر منه سوى المعاناة والكد والتعب. إلا أنني وسرعان ما تسترجع مخيلتي جمال المخيم ببحره وحكاياته مع أول دفقة من كأس حجحوح وعشقه وجنونه.

البحر حكاية عشق منسية، البحر خارطة الزمان والمكان، البحر وميناء غزة وحكايات الجدة العجوز التي قالت بأن عروس البحر جاءت إلى مخيم الشاطئ فاعتقلها الجند حتى جاء شباب المخيم وأنقذوها من براثن  المحتل. وجدتي تحكي والبحر لا ينفد.

ولقد جاءني الأسبوع الماضي، بعض الأصدقاء الصحفيين لتسجيل فيلم وثائقي عن المخيم وبحره، فتذكرت الكاتب الرائع عثمان أبو حجحوح، صاحب (بعضا من العشق) ، (النوار و الدبابة)،(وجع الورد) ، وأخيرا “خبيزة البحر” . رحمه الله.

يسري الغول

يسري عبد الرؤوف الغول، كاتب وأديب فلسطيني. صدر له العديد من المجوعات القصصية والروايات. كتب العديد من المقالات والدراسات حول الواقع الثقافي والسياسي الفلسطيني ونشر في العديد من الصحف والمجلات الدولية والعربية والمحلية، حيث حظيت أعماله بانتشار واسع لجرأته في نقد السياسة العامة للواقع الفلسطيني.
يسري الغول، ناشط في مجال الصحافة والعمل الشبابي والحقوقي؛ الأمر الذي عزز علاقاته مع مؤسسات المجتمع المدني، وإنشاء شبكة علاقات واسعة محلياً ودولياً.
يسري حاصل على درجة الماجستير من قسم دراسات الشرق الأوسط - جامعة الأزهر بغزة، وعلى العديد من الدورات الدولية والمحلية في مجال الدبلوماسية والقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، الأمر الذي ساهم في تعزيز روح الحكاية لديه في طرح قضايا ذات أبعاد إنسانية. كما قام بإلقاء العديد من المحاضرات والتحدث عبر اللقاءات في مؤسسات صنع القرار الدولي كالكونغرس والناتو والخارجية الأمريكية والفرنسية ومجلس الوزراء الألماني وغيرهم. حيث أصبح عضواً -فيما بعد- لتحالف الحضارات في برنامج الأمم المتحدة، الخاص بتحالف الحضارات. ويسري مؤسس محور غزة في تجمع المشكلين الدوليين المنبثق عن منتدى التعاون الاقتصادي بسويسرا.

ربما قد يعجبك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *